المهرجان الدولي للمسرح بوجدة يسترجع ساعات الزمن الجميل

آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 11:56 صباحًا

الصدفة وحدها لعبت دورا مهما في الدورة الثامنة لمهرجان المسرح الدولي التي أشرفت عليها جمعية كوميدراما للمسرح حيث كان من ضمن المشاركين فرقة مسرحية من مدينة سطيف الجزائرية التي عرفت معركة بين قوى الأمن الجزائري المسلح بالهراوات وأنصار الرجاء البيضاوي هذه الفرقة التي قدمت مسرحية “ساعة الصفر” والتي صفق لها الجمهور بحرارة فائقة لعرضها الشيق ووقف لها الجمهور لتحيته بعد انتهاء العرض المسرحي مما جعل الفريق المسرحي الجزائري يندهش لقوة هاته المعاملة الراقية والمغرب لا زال لم يضمد جراح أنصار الرجاء البيضاوي إثر الهجمة الشرسة التي قادها فلول من الأمن والجيش بمدينة سطيف الجزائرية داخل مربع أدراج أنصار الرجاء البيضاوي.

أثناء مأدبة العشاء التي أقامتها جمعية كوميدراما المُـنَـظِّـمَة للمهرجان على شرف الضيوف كانت مناقشاتنا تجرنا بين الحين والآخر مع الأشقاء الجزائريين مرة حول المسرح ومرة حول الحدود المغلقة بين البلدين منذ أمد بعيد، أثناء استراحتنا قال أحد الفنانين الجزائريين باللهجة الجزائرية “والله يا خيواني وبراس يمة أحشمت نهز راسي فوسطتكم” فسألته عن السبب فرد علي بعفوية قائلا ” شوف أخوتنا في المغرب كيف استقبلونا وحنا دياولنا شَبْعو لعْصا لشباب المغاربة” فقلت له أن إخوانا في الرجاء أخبروا الرأي العام أن سكان مدينة سطيف كانوا مثاليين في المعاملة بيد أن الكارثة ارتكبتها قوى الأمن من الأمن والجيش وشعب المغرب ليس بشعب حقود.

كان ما أثار انتباهي السيدة حجرية رئيسة جمعية كوميدراما والبشاشة لا تفارقها تجر من ورائها جيشا من الشباب المتطوع الذين أحسن التنظيم والاستقبال وهي لا تكل ولا تمل في الذهاب والإياب بنظام وانتظام تجدها في الإقامة ومسرح محمد السادس وفي الكواليس وهي عبارة عن ” سويكلاص” وكأنها تمسح دموع الفرح والنشوة بالنصر وإلى جانبها كل من الدكتور الرمضاني مصطفى والدكتور بن جدي ورغم هذا الضغط لم تكتفي السيدة حجرية من تعبها بل شاركت في مسرحية رفقة إليزابيت تجمع بين لغتين عربية وفرنسية وبتوابل التراث الشعبي لتجعل الاحتفالية تشق لغة موليير.

في اليوم الثالث للعروض المسرحية استطاعت جمعية مناجم جرادة للمسرح أن تقدم واحدة من أروع ما قدم في المهرجان حول فوضى الدولة والمخزن المغربي التي تؤرخ لسنوات الجمر والرصاص من خلال فنانين من فاس شاركا مسرح مناجم جرادة في عرض شيق ومثير ومدهش للغاية قدمت فيه الفرقة معاناة السجناء السياسيين وخشونة المعاملة ليغادروا الحياة الدنيا دفاعا عن حقوق الإنسان فاقدين وعيهم أحيانا أخرى ومستهزئين بوقاحة المخزن من جانب آخر غير أن المفرج عنهم أصبحوا أبطالا بلا مجد وبذلك فإن هذه المسرحية تستحق الدرس والنقد من مختلف جوانبها والتزامها غير أنما فقدته في الحبكة الدرامية هو اعتمادها على الجدية في السرد الحكواتي أحيانا والحوار الثنائي المُسْوَدْ أحيانا أخرى وبذلك فقدت بين ثناياها نوعا من الفرجة ويا ليت أن المؤلف يراجع هاته الملاحظة ويضيف لها توابل السخرية من خلال الكوميديا السوداء.

ليأتي الدور على جمعية بصمات الفن بأكادير فرقة لا يمكن لنا إلا أن نقول لها برافو لحفدة المختار السوسي، مجموعة من الفنانين جمعهم قدر المسرح بالفنانة رشيدة التي مثلت العجرفة الديكتاتورية وعدم إيمانها المطلق بالتناوب على تحمل المسؤولية وحبها للحكم المطلق رفقة الفنان الرويبعة الذي يتقن المكر والتلاعب (وتلصاق السلوكة) محاولا أن يصنع من نفسه شيئا دون أن يخسر شيئا آخر، مسرحية عرفت كيف تطرح مشكل النميمة وتستخدم الديكور بين القول والحركة حتى أنها وصلت إلى درجة أشارت فيه إلى العقم السياسي عبر استخدام الأنابيب من أجل صنع طفل الأنابيب وإرضاء رشيدة الديكتاتورية (الدولة) التي تعتمد في مملكتها (السيرك) على الحيوانات بدل العقلاء وطمع في وراثة الحكم عبر مختلف الطرق للوصول إلى مرمى السلطة، مسرحية جمعت بين الجدية والهزل في طرح حوار مابين البكم والصمم.

كم هو صعب أن يتحمل الفنان من على خشبة المسرح الشأن العام عبر طرح قضايا الشعوب وكم يكون الفشل خطيرا إذا غابت فحولة الفنانين باعتبار أن القول والحكاية والحركة والإنارة والديكور هي الذخيرة الحية للرفع من قيمة معنى المسرح وأبو الفنون حينما يعتمد هذا الأخير على الرصاص المطاطي لهز غفوة الدولة ونسيانها معنى الديمقراطية والتناوب على تسيير الشأن العام وهو ما يساهم في تدمير الدولة ويجعل من العجرفة والقمع الممنهج أنسولين القتل والدمار للمجتمع.

وقد كان مسرح بصمات الفن لأكادير بعد انتهاء العرض قد استسلم للنوم بعد نجاح عرضه وبعد أن بـَلـَّغَ أمانته وأنهى عمله بدقة وساهم في تعليم لغة الحوار للبشر من الأحرار وبذلك يمكن القول أن من قطع نهرا واسعا أو طريقا مليئا بالأشواك سيتعلم كيف سيداوي الجرح والجراح، وقد لاحظنا ونحن على طاولة العشاء أن فناني بصمات الفن في أكادير غلب عليهم دموع فرح النجاح، وكان لا بد من القول لو كانت قطرات دموع مسرح بصمات الفن حزنا على مرايا الزمن المحزون لمسحتها بلساني من تحت أجفانهم حتى لا تساهم هذه الدموع في نمو أنسجة الكآبة أما وأنهم أذرفوا دموع النجاح فأصبحوا مرغمين على إخراج خزان دموعهم لنسقي به عشب ضمير الوطن ونرطب بها شفتي الأجيال لتظهر ابتساماتهم بعد العمق الطويل والحزن الكبير الذي أخـَّرَ المغرب لسنوات ونخرج منهم العشق الدفين ونحول العشق إلى أكبر مسرح عميق وإذا كان الهدهد قد أتى النبي سليمان الخبر اليقين فمسرح بصمات الفن صنع من على خشبة المسرح طفلا من أطفال الأنابيب وكأنه يحذر من تكاثر اللقطاء الذين سينالون حقهم من العلم والمعرفة ويصلوا إلى تسيير الشأن العام وسوف لا يهمهم من هذا المجتمع إلا الانتقام باعتبارهم فقدوا حنان الأبوة وسوف يكون مهنهم الضابط والموظف والقاضي والوزير والبرلماني والمستشار، وأن اللقيط لا يفهم إلا لغة واحدة هو الانتقام من المجتمع المليء بأشباه الرجال الذين جعلوا من رحم المرأة جبا للمياه الدافئة وتهربهم من المسؤولية الأبوية ليتركوا أبناء تنعدم فيهم الأحاسيس الجياشة وتجعل من أبناء الوطن الواحد يتعلمون لغة الغضب التي تتحول من الإنسانية والإحساس الآدمي إلى خلايا الكوارث الانتقامية.

وقد أخطأ من قال أن الرضع لا يتكلمون حينما كذبهم عيسى بن مريم كما أخطأ من اعتقد أن أهل سوس تجارا لا يفهمون إلا آخر عروض البورصة وكذبهم مسرح بصمات الفن حينما فضح أسرار المجتمع وما يحمله من مساحيق الخزي والعار والنفاق والكذب من الطغاة، ويمكن التأكد إن سَمِعْـتُـمْ يوما أن بغلة أنجبت فسوف لن يكون ذلك إلا في أكادير التي ربما ستنجب بعد تغيير رحم وجينيات البغلة ليجعلوا منها حيوانا ولودا أو ربما العمل على تغيير الجينيات لعشبة تعالج عقم الدولة ذلك أن سوس العالمة لا زالت لم ترفع يدها عن العلم ولن ترفع الراية البيضاء، وأن الجنوب لا زال لم يكشف كل أوراقه حتى وإن كان العديد من المخرجين والممثلين تجردوا من ورقة التوت في مسرحياتهم وأفلامهم وقصصهم للبحث عن الإثارة لا لصنع ما هو جديد في عالم المسرح والفن.

قد يتساءل النقاد والأدباء والمسرحيون يوما عن سر هذا التحول في التفكير الجذري من الناحية الفنية عند أهل سوس فالرد بسيطا أوَ ليست أرض أكادير أرضا رملية وحولها الفلاح البسيط إلى جنان مترامية الأطراف أوَ ليس أهل سوس من حملوا تجربتهم إلى زاكورة وملئوا الوطن بطيخا أحمرا وعَـلـَّمُوا العديد من الأقاليم كيفية الوصول إلى الاكتفاء الذاتي أوَ ليس أهل سوس هم أول من استخدم الموسيقى لدى الصيادين لجلب الأسماك من حول شبابيك الصيد وكيف لهم أن لا يتعلموا الانتقال من عالم التغذية والأكل والعفن إلى عالم الآداب والفن.

إن مياه وادي درعة تتسرب إلى باطن الأرض وتفضل المرور تحت مزارع أكادير ومياه درعة لن تجف فكلما نجا الربيع عرف النمو العلمي تطورا، وأن أية ساكنة بجوار البحر يتعلم أبنائها فن العوم والغوص في قاع البحر لجلب اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان.

لقد قيل عنهم أن أهل سوس قصيري القامة و نسو أن الله وضع بقية طول قامتهم وحوله إلى مخ يعرف معنى التسيير والاختراع، وحتى نعطي نبذة عن موطنهم الأول الذي قدم منه أجدادهم والذين ركبوا سفينة تجارية جابت بهم البحار وهي تحمل التوابل والثوب وصلت بهم إلى أكادير وتحطمت وضاعت سلعهم وفضلوا البقاء في تلك البلاد بجنوب المغرب نظرا لبعد وطنهم في الحدود الماليزية الصينية التي تسمى “ماندرين” واشتغلوا في التجارة وورث أبنائهم وأحفادهم حرفتهم المفضلة بالخصوص في عصر المنصور الذهبي ونالوا سمعة الوفاء والصدق وعززوا تجربتهم التجارية والمالية بالجاه بعد أن علموا أبنائهم العلم والمعرفة للحفاظ على نفوذهم وحراسة أموالهم من خلال الجاه السياسي.

يبقى فقط أن رئيس المجلس البلدي بأكادير يحمل على جبينه نقطة سوداء نتيجة تجاهله مدينة أكادير بحجمها التاريخي والحضاري وهو يترك مدينة بهذا المستوى وهذا الحجم بدون مسرح ثقافي بل أن حتى المركب الثقافي الذي شرعوا في بنائه تركوه عرضة للضياع أراد الرئيس القباج تحويلهم إلى مكاتب تابعة للبلدية وبذلك أصبحت الثقافة اللقيطة تسود وجه القباج وما على الجمعيات الثقافية والمسرحية منها والموسيقية وباقي الجمعيات من المجتمع المدني إلا أن تتضافر لرفع دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية ضد المجلس البلدي ووزيري الداخلية والثقافة من أجل حماية المركب الثقافي من هذا الجشع البعيد كل البعد عن المعرفة والعلم والفنون، وإلى الدورة التاسعة من المهرجان الدولي للمسرح بوجدة مع مسرح كوميدراما.

2015-06-03 2015-06-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عبد الوهاب عكاوي