حماية المخطوطات بين قانون حقوق المؤلف و الواقع العملي – الجزء الأول “مفهوم المخطوط و اصوله التاريخية”

آخر تحديث : الخميس 15 أكتوبر 2015 - 3:00 مساءً
ذ/ سعيد أرجدان - باحث جامعي

تمهيد

إن دراسة موضوع الحماية القانونية للمخطوطات لم يكتب لها من الذيوع و الانتشار في الأوساط الأكاديمية الحقوقية ما يرقى لتراكم معرفي و لو تعلق بمفاهيم اساسية أو مبادئ عامة فضلا عن محاولة إنشاء نظرية عامة او ترسيخ اجتهادات قضائية.

و لعل هذا الفراغ المعرفي ليس إلا نوعا من الإهمال العام الشائع لكل ذخائر التراث في العالم العربي الاسلامي على وجه التحديد، مع أنه لا يمكن في تقديرنا نكران الجهود المبذولة من طرف أساطين الفكر و الاداب و التاريخ لتحقيق مجموعة مهمة من هذه المخطوطات و إخراجها من غيابات النسيان إلى نور الطباعة الحديثة سواء  بوسائل  فردية أو مؤسساتية أو حتى بمناسبة الإعداد لأطاريح و رسائل جامعية.

و لهذا كان لابد من اقتحام هذه العقبة على الاقل في مستوى التعريف بأهمية الموضوع و ما قد يطرحه من إشكاليات قانونية، و ذلك على ضوء مقتضيات قانون 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف و الحقوق المجاورة مع الإشارة للقوانين المقارنة.

و سوف نقوم بمقاربة هذا الموضوع في ثلاثة محاور، نخصص المحور الأول منها لمفهوم المخطوط و أصوله التاريخية، ثم نعطف في المحور الثاني على بحث الجوانب القانونية التي تثيرها إشكالية حماية المخطوطات، ثم نبين في المحور الثالث  سمات الواقع العملي لهذه المخطوطات.

 مفهوم المخطوط و اصوله التاريخية

يحاول جاك لومير في كتابه (المدخل الى علم المخطوطات) أن يقارب مجالا تخصصيا ما زال يبحث عن تقعيده العلمي، بل إن الكاتب يطمح حسب قوله إلى تكوين مدخل  إلى علم المخطوطات، ويقول إن الكتاب موجه إلى المبتدئين غير المتمرسين في هذا العلم. كما يحاول الكاتب ان يجيب على أحد الأسئلة المركزية في علم المخطوطات وهو : كيف صنع المخطوط في العصر الوسيط ؟

يبدأ جاك لومير بتحديد مفهوم علم المخطوطات أو الكوديكولوجيا  انطلاقا من تحديد موضوعه الذي يدرسه، لأن الشرط الرئيسي لكل علم هو الموضوع المتميز، والمنهج الواضح. ويفهم من الكوديكولوجيا أنه العلم  الذي يدرس الكتاب والمخطوط، أي علم آثار الكتاب، ومعنى ذلك أنه يهتم بدراسة مختلف مظاهر الصناعة المادية الأولية للكراس أو المخطوط، ويطرح عدة أسئلة توجه الباحث أو يحاول هذا العلم الإجابة عليها، مثل كيف ومتى وأين صنع هذا الكتاب؟ ولأي غاية تم إنجازه؟ ومن هو مستكتبه؟  كما يهتم بأساليب صنع الكتاب في زمن معطى وفي مكان محدود النطاق بعض الشيء، وأيضا يهتم بتقنيات المخطوط في العصر الوسيط. وبهذا المعنى يعتبر علم المخطوطات علما مساعدا للتاريخ باعتباره يبحث في المخطوط كوثيقة تاريخية.

غير أن علم المخطوطات لا يهتم بتاتا بمضمون المخطوط، أو قيمته الفكرية أو المتن الداخلي، وإنما يدرس الكتاب من الناحية الخارجية، مثل نوع الورق أو الرق المستعمل وطبيعته وكيف كان يصنع الرق من جلد الحيوان، وكذلك طريقة جمع أوراق الكتاب، شكل الخط، طريقة وضع أرقام الصفحات،  والناسخين للمخطوطات، وأساليب نسخهم للمخطوط، ثم التسفير وتغليف الكتب …. وبجملة واحدة كل ما يهم الكتاب المخطوط من ألفه إلى يائه، أي من إزالة الجلد المستعمل في الكتابة حتى تسفيره وإخراجه وأيضا مصيره بعض ذلك.

ويتتبع جاك لومير تاريخ صناعة الرق في العصور الوسطى وأساليب صنع الرق، فقبل القرن الثاني عشر كانت تلك الصناعة ضعيفة ورديئة ولم تعرف نهضتها إلى مع نهاية القرن الثاني عشر، عند توسع صناعة الرق بظهور الجامعات الكبرى، وقد جعل الرهبان والكهان من صناعة الكتب تخصصهم واستمر ذلك إلى أن اخترعت المطبعة في نهاية القرن الخامس عشر.

وكان الظهور الأول للرق مع الصينيين فهم من اخترعه، وقد أدخله العرب الى الغرب أثناء العصور الوسطى، وانتشر على سواحل البحر الأبيض المتوسط ابتداء من القرون الوسطى. ويبحث  عن مرحلة الاستغناء عن الرق في صناعة المخطوط قبل نهاية العصر الوسيط وتغيره بالورق. والورق هو مادة اصطناعية صنعت سابقا بواسطة لفائف نباتية محولة إلى عجين، ويمدد الصناع هذا العجين وينشفونه و يصنعون منه ورقة ذات سمك محدد. ويستطرد الكاتب في وصف طريقة الصناعة والتقنيات والآلات المستعملة لذلك، وطريقة تقطيع الورق واستعماله وأحجام الورق. وتساعد العلامات الموجودة على الورق على تحديد حجم الورق ونوعه وعلى تاريخ وضبط مكان مادة الكراس.

و بعد أن يتم اختيار مادة الكتابة وتحديد نوع الملازم وإنجاز تركيب الصفحات، تأتي مرحلة نسخ النصوص في صناعة الكراس أو المخطوط الوسطي. كانت عمليات النسخ غالبا ما تتم في أماكن يتوفر فيها الصمت والهدوء مثل الأديرة، حيث يعمل الناسخ بعيدا عن الضجيج الذي قد يربكه ويوقعه في الأخطاء، وطريقة النسخ إما تتم مباشرة عبر النقل من الكتاب الأصلي إلى النسخة، أو تتم عن طريق الإملاء، ويمكن أن يكون مجموعة من النساخ ينسخون بطريقة متزامنة في نفس المخطوط. ويستعمل في النسخ القلم أو الريشة، وفي أغلب الأحيان كانت تؤخذ الريشة من ريش الإوز البري، فيتم شق رأسها إلى اثنين لتيسير جريانه على مادة الكتابة.

ويعتبر التسفير آخر عملية من عمليات إنجاز المخطوط في العصر الوسيط، وهو عملية جمع مختلف الملازم وحفظ كل الصحائف المشكلة بواسطة دفتين صلبتين. وذلك لمواجهة الأضرار التي تصيب المخطوطات. لذا يجب على عالم المخطوطات الانتباه إلى تفاصيل عملية التسفير وتدوين الدلائل المادية التي تفيد في معرفة تاريخ المخطوط ومكان تسفيره، كما يعرف إن كان الكتاب قد أعيد تسفيره مرة ثانية بعد ضياع الغلاف الأول، فمثلا الملاحظة الدقيقة تفيد في معرفة إن كان مخطوط ما من القرن 9 م قد أعيد تسفيره بغلاف من القرن 17م وذلك بملاحظة تقنيات التسفير.

وهكذا يمكن القول إن علم المخطوطات يصبح سندا أساسيا في ممارسة النقد الخارجي أو النقد التوثيقي. فهو يجيب على الأسئلة المتعلقة بأصول الوثيقة التي يدرسها الفيلولوجي أو المؤرخ. ويساعد على تحديد التاريخ (وحتى المحْتَرف) الذي ظهرت فيه الوثيقة. وتمكن المعلومات التاريخية التي يقدمها عالم المخطوطات باحث اليوم من أن يقف على المسالك التي مرت عبرها الوثيقة قبل أن تصل إلينا، وذلك عبر التحليل الدقيق للتجليد وللدفة الواقية والتقاييد المتنوعة.

وقد أنتج المسلمون على مَرِّ العصور الإسلامية كمًّا ضخمًا من الكتب والمؤلفات التي وصلتْ إلينا في صورةِ مَلايين من المخطوطات، وهو ما أدَّى إلى نَشْأةِ علم جديد هو: علم المخطوطات العربية، كي يُعنى بدراسة هذا التُّراث وتحقيقه، ونشره وفهرسته، وصيانته وحفظه.

وأنتج الباحثون في علم المخطوطات العربية عددًا كبيرًا من الدِّراسات والبحوث في جميع فروعه وما يرتبطُ به من علوم، وهو ما استلزم إعداد مجموعة من القوائم لحصْر هذا النِّتاج وضبطه، والتعريف به وتيْسير الوُصُول إليه من قِبَل الباحثين في هذا المجال والمعنيِّين به.

2015-10-15
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24