حماية المخطوطات بين قانون حقوق المؤلف و الواقع العملي – الجزء الثاني “الجوانب القانونية لحماية المخطوطات في التشريع المغربي و المقارن”

آخر تحديث : الخميس 15 أكتوبر 2015 - 3:01 مساءً
ذ/ سعيد أرجدان - باحث جامعي

الجوانب القانونية لحماية المخطوطات في التشريع المغربي و المقارن

أفرد المشرع المغربي لحماية الحقوق المتعلقة بالمخطوطات مادة فريدة هي المادة 6 من قانون 2.00 التي تنص على أنه

( تضمن الحماية حسب مدلول هذا القانون بخصوص نشر المخطوطات القديمة المحفوظة في الخزانات العمومية أو أماكن إيداع المحفوظات العمومية أو الخصوصية من غير ان يجوز لمنجز هذا النشر التعرض على نشر نفس المخطوطات من جديد استنادا لنفس النص الاصلي )

و الواقع أن هذا النص قد تمت صياغته باقتضاب شديد، مما يثير نوعا من الغموض الذي يصعب معه فهم مقاصد المشرع من إيراد هذه المادة بهذا الإيجاز الشديد، و مع ذلك فسنحاول مقاربة المقتضيات الواردة فيها على ضوء أدبيات و مصطلحات علم المخطوطات، و ما يتفرع عنه من مباحث.

و الملاحظ أن المادة 6 السالفة الذكر لا تشير إلى مسالة في غاية الاهمية في تقديرنا و هي المتعلقة بإشكالية النظام القانوني لملكية المخطوطات الخاصة، ذلك أن مجموعة كبيرة من الأسر المغربية تحتفظ بأعداد من المخطوطات التي ورثتها عن أجدادها، كما أن بعض الأفراد آلت إليهم مخطوطات نادرة عن طريق الاقتناء من الغير أو الهبة أو الوصية، مما يطرح إشكالا حول مفهوم ملكية هذه المخطوطات، هل ينحصر في الملكية المادية بالمفهوم الضيق أم تنصرف آثاره إلى الحق الاستئثاري بالنشر، و وجوب الإشارة إلى حائز المخطوطة عند كل إشارة إليها و عند نشرها، و غير ذلك من الإشكاليات التي قد لا تنفع معها النصوص القانونية المنظمة لحقوق الملكية الادبية و الفكرية.

و لعل هذا الفراغ التشريعي ليس حكرا على قانون حقوق المؤلف المغربي بل نجد له مثيلا في كثير من التشريعات العربية التي و إن كانت قد أشارت إلى ضرورة حماية المخطوطات فإنها لم تحدد موقفا واضحا من مسألة حقوق ملكية الحائزين لها.

و هذا ما جعل بعض الباحثين في فن المخطوطات في الجزائر يدعون لإعادة النظر في قانون حقوق المؤلف وحقوق الملكية الجزائري ، وهذا حتى يتاح للعائلات المالكة للمخطوطات أن تسلم ما بحوزتها من مخطوطات للهيئات المختصة من أجل دراسة هذا النوع من التراث الإسلامي وتصنيفه، وأرشفته حتى لا يتعرض للضياع والتلف، مع العلم أن السفارة الأمريكية في الجزائر دخلت على الخط و عقدت اتفاقية مع جامعة الامير عبد القادر للتعاون في كل ما من شأنه جمع شتات المخطوطات و تصنيفها.

و  يقدر بعض الباحثين مثلا عدد  المخطوطات المنتشرة اليوم في دولة مالي بنحو 950 ألف مخطوطة. 100 ألف موجودة في تمبكتو وحدها في يد عائلات عريقة ورثتها أبا عن جد، والباقي في مناطق أخرى من مالي كمناطق غاو، وكايس، وسيغو، وكيدال، وأيضا في موريتانيا والنيجر وفرنسا والمغرب وإسبانيا تبعا للفترات الاستعمارية التي تعرضت لها هذه المنطقة. أهم هذه المكتبات العائلية مكتبة «ماما حيدرة» التي تضم نحو 9500 مخطوطة، وهي ملك لعائلة حيدرة المعروفة بعلمائها وقضاتها، وقد تلقت معونات مادية من منظمات أميركية وبريطانية لجمع المخطوطات وحفظها، ومكتبة تمبكتو الأندلسية المسماة أيضا مكتبة «فوندو كانتي» وهي ملك لعائلة إسماعيل ديادي حيدرة، وهي تضم نحو 7000 مخطوطة يتم فهرستها الآن، إضافة لمكتبة «واناكاري» التابعة لعائلة مختار الواناكري، وهي تضم نصوصا في الفقه وتفسير القرآن والنحو، والأهم: معهد «أحمد بابا للتعليم العالي والبحوث الإسلامية» الذي يضم اليوم نحو 30 ألف مخطوطة معظمها كانت ملكا لعائلة أحمد بابا الذي كان عالما كبيرا وعائلات أخرى من تمبكتو تم جمعها بفضل جهود شخصيات علمية بارزة، وقد أنشئ هذا المركز أول مرة عام 1973 واستفاد من تمويل دول كجنوب أفريقيا، والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

أما محمود زبير المؤرخ ومدير معهد أحمد بابا، فيتحدث عن مشكلة أخرى متعلقة بتردد الأهالي في تسليم الكتب والمخطوطات للمعاهد التي تتولى حفظها وفهرستها، قائلا: «كثير من مكتبات هذه العائلات تعرضت للنهب وللحرق،  خلال الاستعمار الفرنسي، ولهذا السبب، فإن عائلات مالي التي ورثت هذه الكنوز المعرفية باتت لا تمنح ثقتها بسهولة، وكثير منها استمروا في حفظ هذه المخطوطات في أقبية منازلهم وفي صناديق حديدية وحتى تحت الرمال بالنسبة للطوارق».

وتتراوح أرصدة المخطوطات العربية المحفوظة في مختلف خزائن العالم ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين مخطوط بينما لا تتجاوز المخطوطات اليونانية خمسين ألف مخطوط، وتتراوح المخطوطات اللاتينية بين ثلاثمائة ألف وخمسمائة ألف مخطوط.

ويشكل المغرب أكبر مراكز تجمع هذه المخطوطات، ويعتقد الباحثون في مجال المخطوطات أن المغرب يحتفظ في بعض الخزانات العامة ضمن الأرصدة التي لم تفهرس بعد في خزانات أخرى مخطوطات خاصة بكتب الإغريق واللاتين، التي نقل بعضها إلى اللغة العربية، والتي لا توجد في أي بلد عربي آخر..

ومما يدل على هذا اهتمام الباحثين الأوربيين بهذه المخطوطات، وبحثهم عنها في بلاد المغرب، وحصولهم على ما تعذر الحصول عليه من مخطوطات عربية غير مترجمة في جهات أخرى، مكابدتهم من أجل البحث عن الوثيقة التاريخية للمؤرخ اللاتيني تيتوس ليفوس صاحب العشريات. فقد بحث عنها باي لعباسي ثم المستشرق ليفي بروفنسال فلم يجدها، مع أن بروفنسال أكد من جهته أن المؤرخ ابن خلدون قد قرأ هذا الكتاب في ترجمته الكلية أو الجزئية إلى العربية.

و لهذا فإن مقاربتنا للمادة 6 من قانون حقوق المؤلف المغربي لا يمكن ان تمر دون بيان أهمية تنظيم المشرع المغربي لملكية المخطوطات الخاصة، لأن هناك أعدادا هائلة منها غير محفوظة في الخزانات الوطنية، و الغريب أن ظاهر صياغة هذه المادة توحي باستبعاد المشرع المغربي لكل المخطوطات الني يحوزها الخواص من الحماية التي يكفلها قانون 2.00 و الحال أنها اولى بالحماية من غيرها، كما أن هذا الفراغ التشريعي يجعلنا مجبرين على الاستناد للقواعد العامة في حماية المخطوطات الخاصة، و أهم هذه القواعد هي كون الحيازة سند الملكية في المنقول، و بالتالي يصبح كل حائز لمخطوط مالكا له إلى ان يثبت العكس، و الواقع ان هذه القاعدة و إن كانت قد تضفي الحماية على المخطوطات المتوارثة أو التي حصل عليها البعض بواسطة الهبة أو الوصية، فإنها قد تثير إشكالات كثيرة بشأن إثبات البيوع المتعلقة بها، خاصة أن هناك بعض العصابات المتخصصة في الاستيلاء على هذه المخطوطات بإيهام حائزيها برغبتهم بشرائها أو مجرد الاطلاع عليها، فيتم تهريبها بطرق ملتوية و بيعها إلى المراكز الاستشراقية الغربية بأثمان خيالية.

إن ما سبق بيانه يستوجب تدخل المشرع المغربي لسن قانون خاص لحماية المخطوطات المنتشرة في المغرب من الاندثار و الضياع و النهب و التهريب، و ذلك إسوة بالمشرع المصري الذي أصدر قانونا حديثا سنة 2009 و هو قانون رقم 8 لسنة99 الذي صدر بالجريدة الرسمية بتاريخ 18 فبراير 2009 بعد مصادقة مجلس الشعب، و سوف نعرض لبعض مقتضياته نظرا لاهميتها الشديدة.

و قبل أن نعرض لمقتضيات التشريع المصري الجديد نشير إلى النقاش الفقهي الكبير الذي رافق مسطرة مناقشته داخل البرلمان المصري، و مختلف الكتابات المعترضة على إصدار هذا القانون بحجة مخالفته لحرية التملك و نصه على جزاءات جنائية.

فقد أعلن عضو الكتلة البرلمانية للاخوان المسلمين في مجلس الشعب النائب محسن راضي خلال الندوة التي نظمها «المعهد الديموقراطي المصري» حول مشروع قانون حماية المخطوطات  تقدمه بمشروع قانون مواز لمشروع الحكومة لحماية المخطوطات العربية، يتم طرحه على البرلمانات العربية على غرار وثيقة وزراء الإعلام العرب، مؤكدا أنها تهدف إلى حماية المخطوطات العربية خاصة أن أغلبها سرق من مصر وفلسطين والعراق وسورية. ورأى راضى أن القانون الحالي لا يوفر الحماية للمخطوطات وأن القانون الجديد سيوفر حماية لسرقة المخطوطات مجددًا حيث إنه لا يخضع الموظف سارق المخطوطة إلى عقوبة مغلظة ضمن قانون العقوبات بوصفه مرتكبا لجناية سرقة.

كما تم التحذير من تحول القانون إلى سيف على رقاب المثقفين حائزي المخطوطات، كما حذر من تحنيطها لدى الجهات الحكومية واستمرار غياب جهة محددة مسؤولة عن الحصر والجمع والتصوير والاتاحة للمخطوطات وطالب بفصل القضاء الإداري بين لجنة نزع حيازة المخطوطات وصاحبها في شأن تقييم ثمنها المادي مع الإبقاء على حقه المعنوي والأصلي في إرثها وحيازتها.

كما تم التحذير ايضا من خطورة انتعاش التهريب بنص القانون الجديد الذي يطبق عقوبات متدرجة ومتأخرة زمنيا، واقترح تحديد أهمية المخطوطات عبر لجنة علية تصدر قراراتها تحت إشراف الوزير المختص على أن تضم ممثلين في وزارة العدل بجانب علماء متخصصين وأيد راضي عودة الاعتراف بالمزادات في محاولة لاستعادة المخطوطات المصرية والوثائق المهربة.

من جانبه، اتهم مدير التوثيق الأثري في المجلس الأعلى للآثار د. محمد الششتاوي القائمين على حماية المخطوطات والوثائق ومراقبي وحدة المضبوطات والمنافذ «بتسهيل تهريب المخطوطات والوثائق المصرية»، وقال (غير خفي على أحد أن هذه الوحدة التي صارت بؤرة للفساد ، وأن 99 في المئة من مخطوطات مصر موجودة في دار الكتب وأن وكلاء الوزارات القائمين عليها هم من يسرقونها )على حد قوله.

من جانبه، قال أحمد نصر مدير وحدة الأبحاث والدراسات في المعهد الديموقراطي المصري إن 60 مليون وثيقة تمثل ثروة قومية وتاريخية لمصر تظل خارج نطاق الأمان لسهولة سرقتها وعدم وجود أمناء حقيقيين عليها أو محاسبتهم، في الوقت الذي اكتفي فيه وزير الثقافة بتوثيقها عن طريق الأرشفة فقط وأن خطوات الوزير لم تحمِ المخطوطات الموزعة على مكتبات الأوقاف ودار الكتب والأزهر الشريف وعدد من المكتبات العامة والخاصة ليتم الاتجار بها أو تهريبها للخارج دون رادع قانوني.

و رغم هذا النقاش الشديد فقد صدر التشريع المصري المشار إليه سابقا.

وحدد التشريع الجديد مفهوم المخطوط الذى يطبق عليه أحكام القانون معتبرا المخطوط كل ما دون بخط اليد قبل عصر الطباعة متى كان يشكل إبداعا فكريا أو فنيا أيا كان نوعه وكل أصل لكتاب لم يتم نشره أو نسخة نادرة من كتاب نفذت طباعته إذا كان له من القيمة الفكرية أو الفنية ما ترى الهيئة أن فى حمايته مصلحة قومية وأعلنت ذوى الشأن به.

وينص التشريع المصري على أن تكون الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية دون غيرها الجهة المختصة فيما يتعلق بتطبيق أحكام هذا القانون ويعبر عنه بالهيئة، كما نص على أن تنشأ بالهيئة لجنة دائمة من الخبراء الفنيين والقانونيين والإداريين وممثلى الأزهر ووزارتى الأوقاف والعدل وكذا الجهات المعنية بالحفاظ على المخطوطات ويصدر بتشكيلها قرار من الوزير المختص بالثقافة, وتخول اللجنة بوضع المعايير التفصيلية الخاصة بالمخطوطات وتصنيفها وترقيمها وتقييمها ورقابتها بما يكفل المحافظة عليها وتنشر قراراتها فى الوقائع المختصة.

ونص القانون المصري كذلك على ضرورة أن يلتزم كل من يحوز مخطوطا بإبلاغ الهيئة عنه خلال عام واحد من تاريخ العمل بهذا القانون ويلتزم كل من يحوز أو يعثر على مخطوط بعد العمل بهذا القانون بإبلاغ الهيئة عنه خلال ثلاثين يوما، وتلتزم الهيئة بصيانة وترميم المخطوطات المسجلة لديها التى يحوزها الأفراد، وتتحمل الهيئة والحائز التكلفة مناصفة.

ومن بين مقتضيات التشريع المصري الجديد أنه يحظر على حائز المخطوط إخراجه من مصر إلا بناء على إذن كتابى من الهيئة بعد التأمين عليه ويحق للهيئة تحقيقا للمصلحة العامة استعارة المخطوط من حائزه لمدة معينة بمقابل مادى يتفق عليه الطرفان، ويجوز لها كذلك تحقيقا لمصلحة عامة شراء ما ترى ضمه إليها من مخطوطات.

و نعتقد أن أغرب و أخطر ما جاء به التشريع المصري بشأن حماية المخطوطات هو نصه على جزاءات جنائية مشددة تتضمن غرامات و عقوبات حبسية و إضافية.

و هكذا نص  قانون حماية المخطوطات المصري على معاقبة كل من يخالف أحكام القانون بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن خمسين ألفا من لم يبلغ الهيئة عن حيازته لمخطوط أو عثوره عليه أو عدم تسجيله لدى الهيئة، كما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد عن مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين من أخرج مخطوط من مصر, ويجوز للمحكمة أن تحكم بمصادرة المخطوط وتضاعف عقوبتى الحبس والغرامة إذا كان الفاعل من المؤتمنين على المخطوط مع عزله من الوظيفة.

و بمجرد صدور هذا القانون لقي معارضة قوية من بعض الفقه القانوني المصري الذي اعتبره اعتداء صريحا على حق الملكية المضمون دستوريا، في حين ذهب البعض الاخر إلى تكييف مقتضياته باعتبارها تدخل في نطاق نزع الملكية لأجل المصلحة العامة، و هو الاتجاه الذي نؤيده و نرى أنه مناسب للتطبيق في المغرب بشروط، من اهمها ان يكون التعويض عادلا و أن تتاح للحائز إمكانية الطعن في مقرر التعويض لدى المحكمة الادارية في إطار القضاء الشامل، و أن يتم الاشارة في تعريف المخطوط إلى هوية صاحبه الاصلي في الفهارس الاصلية و الدراسات الاكاديمية ما لم يتنازل عن هذا الحق صراحة

2015-10-16 2015-10-15
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24