حماية المخطوطات بين قانون حقوق المؤلف و الواقع العملي – الجزء الثالث “حماية المخطوطات و الواقع العملي”

آخر تحديث : الخميس 15 أكتوبر 2015 - 3:04 مساءً
ذ/ سعيد أرجدان - باحث جامعي

 حماية المخطوطات و الواقع العملي

إن مناط حماية المخطوطات وفقا لمقتضيات المادة 6 من قانون حقوق المؤلف و الحقوق المجاورة هو النشر، سواء استند هذا النشر إلى مخطوطة محفوظة في الخزانات العامة أو في أماكن إيداع المصنفات، و يبقى من البديهي أن نعرف بطرائق النشر المعتمدة لإخراج المخطوطات للعموم بواسطة الطباعة و ما يرافق ذلك من وجوب تحقيقها و معالجتها وفق المناهج العلمية الرصينة، و ذلك حتى نتبين مناحي الحماية القانونية من الوجهة العملية البحثة مع الإشارة للقرصنة التي يعرفها هذا الميدان.

و نشر المخطوطات يستوجب أن يكون الناشر على دراية واسعة بعلم التحقيق.

ولا بد أن يسعى المحقِّقُ بادئَ ذي بدء إلى التعرُّف على نُسَخ مخطوطه التي قد تكون منتشرة في مكتبات العالم، ووسيلتُه إلى ذلك فهارس المخطوطات المختلفة، على أن أجلَّ الكتب المصنفة في هذا الباب، وأكثرها نفعًا للمحقِّق: كتاب “تاريخ الأدب العربي” للمستشرق الألماني كارل بروكلمان؛ فهو سجلٌّ ضخمٌ للمصنفات العربية، سواء المخطوط منها والمطبوع، مع العناية بتراجم المؤلفين، والدلالة على أماكن وجود المخطوطات في مكتبات العالم المختلفة، وقد ترجم إلى العربية أجزاء منه، وما تزال بقيته تنتظر من يترجمها، وكذا كتاب “تاريخ التراث العربي” للأستاذ الدكتور فؤاد سزكين، وهو أعظم من كتاب بروكلمان.

وأول محاولة لوضع قواعد علمية دقيقة لنشر المخطوطات مستقاة من نهج المستشرقين الألمان والفرنسيين ومن قواعد المحدثين القدامى في ضبط الروايات ومن خبرة شخصية كانت للدكتور صلاح الدين المنجد في كتيبه “قواعد تحقيق المخطوطات”، ثم تلاه في ذلك الدكتور اسد رستم وغيره من الذين كتبوا في المنهجية التاريخية وجلّهم يجمعون على ما ذكره المنجد مع زيادة بعض التفاصيل توخياً للدقة.

وغاية التحقيق تقديمُ المخطوط صحيحًا كما وضَعَه مؤلِّفُه، أو هو أقرب إلى ما وضعه مؤلفه، دون شرحه، ومعنى ذلك أن الجهود التي تبذل في كل مخطوط يجب أن تتناول البحث في تحقيق العنوان اولا لأن بعضُ المخطوطات خِلْوٌ من العنوان؛ إما لفقْد الورقة الأولى منها، أو لانطماس العنوان، أو لمخالفته الواقعَ لداعٍ من دواعي التزييف أو الجهل، ولا بد في هذه الأحوال من الرجوع إلى طائفة من كتُب التراجم والتصنيف، كـ”الفهرست” لابن النديم، و”كشف الظنون” لحاجي خليفة، و”معجم الأدباء” لياقوت الحَمَوي، وغيرها، ويساعد في ذلك أيضًا معرفةُ أسلوب المؤلف وطريقته في التصنيف.

ولا بد للناشر من التأكُّد من صحة ما يوضع على غلاف المخطوطة من معلومات؛ فقد ينسب كتابٌ إلى غير صاحبه، وخيرُ مثال على ذلك “معجم العين” – أول معجم في تراثنا العربي – فقد نُسب إلى الخليل بن أحمد، وفي هذه لنسبة نظرٌ، وقد يُطمَس اسمُ المؤلف، أو يمحى، أو يعتريه التصحيف والتحريف، فالنصريُّ قد يصحف بالبصري، والحسنُ بالحسين، والخرازُ بالخزار… إلخ، كلُّ ذلك يوجب علينا أن نراجع فهارس المكتبات، وكتب المؤلفات، وكتب التراجم والمتشابه، وكتب التصحيف والتحريف؛ لنقف على حقيقة المؤلف، ونستوثق من نسبة الكتاب إليه.

وتُعَدُّ الاعتباراتُ التاريخية من أقوى المقاييس في تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها؛ فالكتاب الذي تُحشد فيه أخبارٌ تاريخية تالية لعصر مؤلِّفه الذي نُسب إليه، جديرٌ بأن يسقط من حساب ذلك المؤلف، من ذلك كتابٌ يُنسب إلى الجاحظ عنوانه: (تنبيه الملوك والمكايد)  فيه كلام على كافور الإخشيدي، مع أن هذا الأخير ولد بعد وفاة الجاحظ بعشرات السنين (292هـ)، على حين توفي الجاحظ سنة (255هـ).

وعلى المحقِّق أن يرمز لنسخ المخطوطة المختلفة برموز معينة، يشير إليها عند مقابلة النسخ، حيث يثبت اختلافاتها مع نسخة الأصل في الهامش، ولا ينبغي إثقال الحواشي بفروقات ضئيلة، واختلافاتٍ يسيرة، لا يتوقَّف عليها أيُّ معنى، ولا يتحصل منها أيُّ فائدة، كاختلاف النسخ بحرف المضارعة (يفعل – تفعل) وما شابه ذلك، وهكذا يُثبت المحقِّقُ نصَّ نسخة الأصل في المتن، ما لم تجانِبِ الصوابَ، فإذا تبين له أنها صُحِّفتْ، أو حُرِّفتْ، أو جانبَتِ الصوابَ بوجه من الوجوه – تعيَّنَ عليه أن يثبت ما يراه صوابًا مما تتضمنه بقيةُ النسخ، إلا إذا كانت نسخة الأصل بخط المؤلف، فيثبت عندئذٍ الخطأَ في المتن ويصحِّحه في الهامش، ويحسن أن يعلل المحقِّق ما يذهب إلى ترجيحه من عبارات وألفاظ تُخالِفُ ما عليه نسخةُ الأصل، وإذا احتاج النص إلى زيادة ليست في الأصول، فعليه أن يجعلها بين معقوفتين.

ولا ريب أن الكتب القديمة – بما تضمنتْ من معارفَ قديمةٍ – محتاجةٌ إلى توضيحٍ يخفِّف ما فيها من غموض، ويحمل إلى القارئ الثقةَ بما يقرأ، والاطمئنانَ إليه، ومن هنا كان من المستحسَن ألاَّ يترك المحقِّقُ الكتابَ غُفْلاً من التعليقات الضرورية اللازمة لفهم النص، دون شطط أو تزيُّد يؤدِّي إلى إثقال الحواشي، وتحميل الكتاب ما لا طاقة له به، إلا أن هناك أمورًا لا بد منها في تحقيق أي كتاب، وهي تخريج الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، والأشعار المختلفة، وترجمة الأعلام التي يمرُّ ذِكرُها، ولا بد من توثيق كلِّ ذلك بعزوه إلى مصدره والمرجع الذي أخذ منه، ويُراعى ذِكرُ الجزء والصفحة دون الإشارة إلى سائر المعلومات؛ لأن موضعها مسرد المراجع الذي يأتي الكلام عليه.

وينشر المخطوط كما وضعه المؤلف من دون زيادة او نقصان او تصويب. واذا نقل المؤلف نصوصاً من مصادر اخرى، وجب على الناشر اسنادها الى اصلها والتأكد من صحة نقله لها. واذا لم يذكر مصادره، فعلى المحقق ان يكون على درجة من الاحاطة بموضوعه تسمح له باكتشاف المصدر الدي اخذ عنه الكاتب والتأكد ايضاً من صحة ما ورد عنده.

و لهذا فإن قوانين الملكية الفكرية عموما تحمي جهود المحققين نظرا للعناء الكبير المبذول في التحقيق.

و في هذا السياق، حكمت محكمة استئناف المنصورة بمصادرة طبعة كتاب (البرهان في أصول الفقه) الصادر عن دار الكتب العلمية ببيروت بتحقيق صلاح محمد عويضة وتغريمه خمسة آلاف جنيه والزامه بدفع مبلغ مقداره 51 جنيها علي سبيل التعويض المؤقت، وقد صدر هذا الحكم لصالح المحقق الأصلي الدكتور عبدالعظيم محمود الديب الذي حقق هذا الكتاب في الثمانينات وصدر عن مكتبة إمام الحرمين.

خاتمة

و خلاصة القول أن حماية قانون 2.00 لنشر المخطوطات لا ترقى إلى مستوى الحماية المخولة لباقي أنواع المصنفات الواردة في هذا القانون، و لعل ما يدل على إهمال هذا الجانب من قبل المشرع هو إفراده لمادة وحيدة لتنظيم مقتضيات نشر المخطوطات و الحال أن المشرع المصري مثلا أفرد لها قانونا خاصا متضمنا لعقوبات زجرية و سار على نهجه المشرع اليمني، و بالإضافة إلى ذلك فإن نزع ملكية المخطوطات من الخواص للمصلحة العامة صار ضرورة قومية في نظرنا، و إن كنا نرى أن هذه المصادرة يجب أن ترافقها مسطرة مرنة لأداء تعويضات عادلة للمالكين الأصلية.

2015-10-17 2015-10-15
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24