الشاي الموريتاني قصة عشق

آخر تحديث : الجمعة 16 ديسمبر 2016 - 9:16 مساءً
حمد عبد العزيز الكنتي

يسافر الى كل الاماكن ويدخل الى اعماق الامكنة ، ويوجد في ابعد الزوايا شامخا بكل بما فيه من جمال ، تستقبله شفاة مشتاقة ، واذهان ملتاعة ، ونفوس تواقة ، ورؤس مصدعة ، ليكون لها الشهد الذي يشفي ويمتع ويجعل الروح تنتشي وتبحث عن الخطوة التالية ..!

غريب امر هذا الكأس يدمنه الجميع ، ذلك الادمان المباح الذي يجعلهم لا يعترفون بجمال الجلسة الا برفقته ، والاغرب من ذلك ، ان هذا الكاس متواضع جدا ، حيث يجالس الجميع ، فتجده برفقة افقر الفقراء ، وبمعية اغنى الاغنياء ، والملفت انه متدين إذ يجالس العلماء فتجد الكؤوس تدور حول مسائل الفقه واعتقد بانه لو قدر له ان يتكلم لكان مالكيا .

هذا الكأس الذي نشربه في كل مكان ، وارواحنا تتلاقى معه فنشتم رائحته من مسافة قصر ، وكلما ابتعدنا عنه كلما اشتقنا اليه ، فهو سر انسنا وعنوان فرحتنا ، وكما قالوا قديما

لولا الاتاي والعيس .. لما صار بين الناس تأنيس .

شغف به الشعب الموريتاني والشعوب المجاورة له ، فاصبح ديدنهم وعنوان ضيافتهم بل انه ركن الضيافة الاول ، هو الشراكة الاولى والأقدم بين موريتانيا والصين ، وانا متاكد ان كل مواطن موريتاني يقدم الشكر الدائم لشعب الصين العظيم ، ولكل وسيط يورد هذا الكنز العظيم .

ومن حبهم له وضعوا له شروط وقواعد منها ( انه له ثلاث جيمات الجر – الجمر – الجماعة ) فقطعا انه لا يحلوا الا بالتاخير بين كل كأس وكأس ، والجمر نار تصلي ذلك الابريق الممتلئ بالشاي الاخضر ، والجماعة التي تتبارك بتلك الكؤوس على ثرى تلك الرمال الذهبية .

ومن شغفهم به وضعوا له خطوات ، وهي انه يكون ثلاث مراحل ، تسمى الاولى الكاس الاول ويكون ثقيلا بعض الشيء ، وتتفاوت فيه الشعوب ، فالشعب الموريتاني له طريقة والشعوب المجاورة له لها طريقة اخرى ، والكاس الثاني يكون متوسطا في المستوى ، والكاس الثالث يكون خفيفا ، ولابد ان يعلوه الحزام الابيض الذي يسمى الرغوة البيضاء ، ليكون نصفه رغوة بيضاء ، والنصف الاخر شاي اخضرا تم اعداده بعناية قصوى ، ليقدم كعنوان معزة ، ورسالة حب تعلن عن قصة كرم مستمرة على مر الاجيال .

ومن لا يحب ذلك الكاس ! كل من ذاقه ادمنه ، وكل من اعرف من جنسيات اخرى ادمنوه بعد ان ذاقوا حلاوته , واصبح يجري في عروقهم وينادون له وبه طوال الوقت وفي كل حين ، انه (اتاي) ساحر القلوب وسالب الافئدة .

وهنالك من شغف به حتى فتح له صفحات في الانترنت وجعل ركنا من اركانها اسماه ادبيات الشاي الاخضر الموريتاني ، وهي تتكون من اشعار وقصائد سهر الشعراء الموريتانيون عليها اعوام طويلة كتبتها قلوبهم ، وترجمتها بالحب اقلامهم .

يشتاق من عشق الشاي الموريتاني له شوقا غريبا جميلا ، فتجده يحكي عن ليالٍ انقطع فيها عنه ، وكيف ظفر به في ليلة ما ، عند شخص ما ، فتظل تلك الليلة عالقة في ذهنه بل ويعتبرها من اجمل ليالي العمر .

والملفت فيه ان ذلك الكاس قد يكون سببا في زواج يتوج بخروج اجيال تساهم في بناء الحياة ، فعندما تكون الانثى مجيدة له ، يتحدث النساء عنها ، فيسمع بذلك رجل شغوف بذلك الكاس ، فيتقدم لها وتكون هي والكاس من نصيبه .

يا كأس (اتاي) انت عشق الاجيال برشاقة وقفتك الجميلة ، وروعة طلتك البهية ، ورغوتك البيضاء التي تعبر عن نقائك ، ورائحتك الزكية الممتلئة برقة النعناع ، تاتي لتفتن النفوس وتسلب القلوب ، وتكون شهدا رقرقا يتغلغل في الاعماق ، لتنتشي الحياة طربا ويزداد المجلس رونقا ، وينطق الفم بكل شيء جميل ، لان الروح ازدانت بك فكانت اجمل .

2016-12-16 2016-12-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24