الدكتور خالد التوزاني يهدي جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي للرحالة…

آخر تحديث : الخميس 23 فبراير 2017 - 7:30 مساءً
د. خالد التوزاني

أهدى الدكتور خالد التوزاني جائزة ابن بطوطة للأدب العربي للملك محمد السادس نصره الله، حيث وصفه بــ “الرحالة الأول راعي الثقافة المغربية والإفريقية باعث نهضة المغرب المعاصر”، وذلك مباشرة بعد حفل التتويج بجائزة ابن بطوطة التي يمنحها “المركز العربي للأدب الجغرافي” سنويا تحت مظلة “دارة السويدي الثقافية” في أبو ظبي، ضمن حفل كبير أقيم بالمناسبة لتوزيع الجوائز على الفائزين ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الكتاب والنشر بالدار البيضاء وبمشاركة وزارة الثقافة وحضور مثقفين وباحثين من عدة دول عربية وأجنبية، وقد اعتبر التوزاني في كلمته لوسائل الإعلام الوطنية والدولية أن هذه الجائزة تمثل “تجليًّا من تجليات المغرب الثقافي المعاصر ومظهرا من مظاهر استمرار الريادة المغربية في مجالات الفكر والثقافة والإبداع وخاصة في أدب الرحلة”، ليهدي جائزة ابن بطوطة للرحالة الأول الملك محمد السادس لما تميّز به -جلالته- من كثرة رحلاته وتعدد تنقلاته عبر العالم وخاصة في ربوع إفريقيا، الشيء الذي يعيد للذاكرة أمجاد الرحلات التاريخية العظيمة بصيغة ملكية سامية تنشر التنمية والرخاء وتمد أيادي التعاون ونشر المحبة والسلام في العالم.

يقول الدكتور خالد التوزاني: “إذا كانت هذه الجائزة العالمية تحمل اسم ابن بَـطُّوطَة وهو الرحالة الشهير والمؤرخ والقاضي والفقيه المغربي الذي لُقِّب بـأمير الرحالين المسلمين، فجاءت تسمية الجائزة باسمه تكريما و تخليدا له، فإن جلالة الملك محمد السادس يستحق هذه الجائزة عن جدارة، تكريما وتخليدا لجلالته، فهو من أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم المعاصر اليوم، وبفضل تنقلاته المتعددة لعدد كبير من البلدان وخاصة رحلاته إلى إفريقيا استطاع أن ينشر السلام والأمن والتنمية والازدهار في كل الربوع التي يزورها أو يمرّ منها، وبفضله أصبح المغرب نموذجا متفردا وأصيلا، يمكنه بكفاءة عالية وفعالية متينة أن يشكل حلقة وصل حقيقية بين أوروبا والمتوسط وإفريقيا، وحتى مناطق أخرى من العالم، وبموازاة مع خيار الانفتاح الذي لا محيد عنه، يظل المغرب متشبثا بهويته الخاصة والمتوافقة تماما مع قيمه الثقافية والروحية وأيضا القيم الانسانية المشتركة، ولذلك لم يكن مفاجئا أن يستحق الملك الرحالة جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي تعبيرا عن محبة شعب وفيّ لملك عظيم”.

وجدير بالذكر أن التوزاني قد حصل على هذه الجائزة الدولية التي أهداها للرحالة الأول الملك محمد السادس، من خلال إنجاز دراسة علمية في أدب الرحلة تحمل عنوان: “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” والتي اعتبرتها لجنة تحكيم الجائزة عملا قيمّا وإضافة نوعية إلى مكتبة الأبحاث في أدب الرحلة، وعليه ارتأت اللجنة أنها دراسة تستحق عن جدارة جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، فرع الدراسات، لما تميّزت به من سمات التجديد والإبداع في البحث، وخاصة اختيار مقاربة موضوع فريد ونادر، وهو فتنة العجيب في أدب الرحلات، وتناوله من زاوية جديدة ورؤية عميقة، موظفا في التحليل أكثر من منهج مثل جمالية التلقي والنقد النفسي والمقاربة الاجتماعية، مع فتح المجال للنص العجيب لكي يقدم مؤهلاته في تعديل المناهج والنظريات النقدية، مركزا على الرحلات المغربية باعتبارها نماذج للتطبيق من أجل رصد تجليات العجيب وجمالياته في الرحلة وأبعاده وآفاقه، ليخلص في الأخير إلى أن أدب الرحلات المغربية أصيل ومؤشر دال على ريادة المغاربة في هذا المجال.

وهذا ملخص للكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي:

لم تكن الرحلة حدث سفر وتجوال في المكان أو في الوهم والخيال فحسب، بل هي ترجمة حقيقية لرغبة الكائن في الخلاص من شرطي الزمان والمكان والعدم. وكذلك، هي تعبير عميق عن رغبة دفينة في التغيير الداخلي، تنشأ متوازية مع الحاجة إلى تجارب جديدة، أكثر من تعبيرها في الواقع عن تغيير مكان، فالرحلة وإن كانت رحلة في المكان، إلا أن المقصود بالمكان، في معظم الرحلات، هو مكان المجتمع الآخر أو الثقافة الأخرى، والمجتمع والثقافة كائنات زمانية بالضرورة، وفهم الحاضر فيها يتطلب بالضرورة معرفة بالماضي، بل وتشوفاتها نحو المستقبل أحيانا. وبتعبير آخر، تعتبر الرحلة انتقالا من حضيض الرغبات والأهواء، إلى مدارج علوية من الجهاد الروحي والفكري والحضاري. وهكذا فإن كتاب “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” سيتيح للقارئ العادي والمتخصص السفر الممكن في عوالم الرحلة العجيبة بما توفره من لذة وفائدة وما تقدمه من موائد دسمة من العجيب المنبث في كل حركة وانتقال وتحوّل وارتقاء..

تتفنن نصوص بعض الرحلات في تشكيل العجيب والغريب بألوان من الدهشة والحيرة والجمال، فيغدو كل شيء في الرحلة عجيبا، ليس لأن أصحاب الرحلات كانوا يزينون نصوصهم ببعض العجائب رغبة في إثارة انتباه المتلقي وتشويقه، وليس استجابة لذوق القارئ المَيَّال إلى العجيب فحسب، وإنما كذلك، لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، فـأكثر الناس حكما على الأمور بالغرابة هم أكثرهم ترحالا، حيث يواجهون “الجديد” دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة، فينقلون عالما جديدا مغايرا لما سحقته الرتابة وقتله الملل، ولذلك لم تكن غاية الرحلات إبداع عالم عجيب بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود، فكل ما في العالم موضوع للعجب عند التأمل فيه، إلا أن الاعتياد عليه والأنس به، هو ما يذهب بالحيرة، ويذهب بلذة الحياة أيضا، ولذلك لم يرتق من لم يرحل ولم يتطور من لم يذق عجيب المشاهدات.

إذا كان العجيب في الإبداع الأدبي يروم إفزاع المتلقي وإثارة انفعاله، فإنه في أدب الرحلات يستهدف تحقيق أبعاد تربوية ومعرفية وعرفانية خادمة لسمو الإنسان وجماله الخُلقي وبنائه النفسي المتوازن. وإذا كان هدف العجيب في الأدب عموما يعمل على فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، واستدراج الظواهر المهملة في الزوايا إلى الحديث عن نفسها والإفصاح عن مكنوناتها وأسرارها، فإنه في أدب الرحلات محاولة لتغيير ذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوزان المفقود وتعين المرء على تجديد حياته وصناعة واقع مغاير ينسجم مع تطلعاته وأحلامه في قوة التمكين، انسجاما مع ضرورة الهجرة والرحيل من مكان الاستضعاف إلى مواطن القوة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾( سورة النساء، الآية: 97). لتشكل الرحلة نافذة للتغيير الإيجابي عبر تحويل العجيب إلى مألوف، والمستحيل إلى ممكن.

هكذا، تبدو الرحلة ميداناً معرفياً وثقافياً غنياً بالدلالات والرموز، ومجالاً خصباً يشي بقصة جهود الإنسان وجهاده ساعياً إلى اكتشاف مجاهيل الكوكب الأرضي مرتاداً آفاقاً جديدة، رغبة في إدراك بعض أسرار الكون وفهم سلوك البشر وطرائق عيشهم وغرائب المخلوقات وعجائب الموجودات.. فالرحلة بهذا المعنى درس تجريبي ومدرسة تعلم الإنسان خبرات جديدة في الحياة، وترشده إلى استخلاص العبر والمواعظ عبر مواقف غير مألوفة ومَشاهِد لم يعتد على رؤيتها والتفاعل معها، فيكتسب بهذا الاحتكاك قوة وصلابة، ولعل ذلك ما دفع الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون إلى القول: “إن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير”. وأكثر من ذلك، يذهب أحد الأدباء الفرنسيين إلى القول: “إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفاً للإنسان”. إن كل هذه الأهمية التي يحظى بها أدب الرحلات تجعل البحث في عجيبها وغريبها أمرا ممتعا ومفيدا، وفي الآن نفسه مغامرة علمية لا تخلو من صعوبات، ولا شك أن القارئ سيستفيد من هذه الرحلة، التي هي رحلة في عجيب الرحلات؛ فإذا كان خوض الرحلة أمرا في غاية الروعة والجمال، فإن “أروع الرحلات هي التي نقوم بها في رحلات الآخرين”.

لم يزين أصحاب الرحلات نصوصهم ببعض العجائب استجابة لذوق القارئ الميَّال إلى العجيب والغريب فحسب، وإنما كذلك لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، وبذلك لم تكن الغاية من تدوين الرحلة، إبداع عالم عجيب، بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود. فلا عجب أن تُعلن بعض الرحلات انفتاحها على العجيب والغريب بدءا من عتبة العنوان ومرورا بما في النص الرئيس من كثافة لحقل العجيب وانتهاء بما تتركه من انطباع لدى القارئ، حيث تؤسس بذلك الإعلان أفق انتظار يرتبط بالنوع نفسه، فيجد المتلقي نفسه مدفوعا لتتبع عجائب الرحلة واقتناص لحظات من السفر الجميل والممتع. وبذلك، يمارس العجيب فتنته وسحره على الرحالة والمتلقي.

إن عجيب أدب الرحلات يتجاوز الإمتاع والمؤانسة إلى نقل ثقافة الرحالة واهتماماته وانشغالاته التي هي – في الحقيقة- جزء من انشغالات الإنسان في كل زمان ومكان، ومن ثم يمكن أن تساعد دراسة عجيب أدب الرحلات على فهم عقلية الإنسان زمن تدوينه للرحلة ومعرفة طبيعة تفكيره وتمثله للذات والآخر والمحيط، فأهمية نصوص العجيب ومظاهره تتجاوز ماهو من اختصاص الأدب والنقد، إلى ماهو من مهام البحث في علوم أخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس والباراسيكولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي تروم فهم الإنسان.

ويأتي هذا الكتاب ثمرة لبحث طويل في أدب الرحلات امتد لعدة سنوات، وأفرز رؤية جديدة لمفهوم الرحلة المغربية، حاول فيه الباحث المغربي الدكتور خالد التوزاني الجمع بين الأدب وبعض العلوم الإنسانية وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ، لتقديم عمل أكاديمي يستحق القراءة والتداول، ونال بذلك جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن جدارة، وقد أهداها للرحالة الأول الملك محمد السادس نصره الله وأيده تعبيرا عن عميق الوفاء والإخلاص الدائم والولاء المتين للعرش العلوي المجيد.

2017-02-23 2017-02-23
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24