محمد بلهيسي الفارس المؤسس

آخر تحديث : الجمعة 6 يونيو 2014 - 10:02 صباحًا

محمد بلهيسي، هذا الاسم الاستثنائي يتطلب بالضرورة قراءة استثنائية، وذلك لأن تجربته الإبداعية، في الشعر والمسرح، هي بالتأكيد تجربة مسرحية استثنائية، وهي بهذا لا تشبه إلا نفسها، ولا يمكن أن تقرأ إلا بما لها وبما فيها من معاني ومن رموز ومن دلالات ومن إشارات غنية، وهي بالتأكيد جزء من هذا العالم الاحتفالي الكبير الذي تنتمي إليه وينتمي إليها، والذي يلتقي فيه الأدب والفن والفكر والعلم والحكمة والصناعة والسحر والحكي والمحاكاة في فضاء واحد أوحد هو فضاء المسرح.

هو نحات في تعامله مع الفراغ، وهو ساحر في تعامله مع الأشياء، وهو ساحر في تعامله مع الحروف والكلمات، وهو مفكر في تعامله مع الأسئلة والمسائل، وهو حكواتي في تعامله مع الناس والأحداث، وهو في حكيه المسرحي مثير ومدهش وممتع، وهو في مسرحياته الكبيرة يستحضر كل الأشياء ولا يقصي أي شيء، ويبقى الأساس في فلسفته هو الحضور والتلاقي دائما، وهو التعدد والتنوع، وهو الامتلاء لحد الفيض، وهو التناغم بين الأصوات والأشكال والألوان، وبين الأفكار والأفكار، وبين الحالات والمقامات. في مسرحه تحضر رؤية الصوفي إلى جانب لمسة الفنان، ويحضر جد الرجل الراشد إلى جانب لعب الطفل، ويحضر علم العالم إلى جانب شغل الصانع، وتحضر توقعات المفكر إلى جانب نبوءات العراف، ويحضر إلقاء الممثل إلى جانب إنشاد المنشد والمغني، وتصبح حركة المجاميع المسرحية في احتفالياته في درجة الرقص الموقع. ولعل أول ما يمكن أن يدهش في تجربة هذا الشاعر المسرحي الكبير هو أنها جديدة دائما، وعلى أنها تستعصي على التقليد وعلى المحاكاة، وعلى أنها غير قابلة للمحو أو التجاوز، وهي بهذا تجربة متفردة غير مدرسية، تستمد طاقتها الإبداعية المتجددة من داخلها، الشيء يجعلها فعلا حرا ومستقلا، وهي لا تخضع للمساطر والقواعد الجامدة، ولا تكرر أي نموذج مسرحي سابق، ولا تأتمر بأمر أية سلطة خارجية، سواء كانت مادية أو رمزية، ولعل هذا هو ما أعطاها صدقها ومصداقيتها، وكانت بهذا كبيرة وخطيرة، وكانت عالية وسامية، وكانت عميقة وغنية، وكانت مثيرة ومدهشة، بغريبها وعجيبها أولا، وبمواضيعها ومضامينها ثانيا، وبأسئلتها ومسائلها ثالثا، وبصورها ومشاهدها رابعا، وبحالاتها ومقاماتها خامسا، وبكل طاقتها الوجدانية والفكرية الجديدة والمجددة دائما. بلهيسي من يكون؟ صاحب هذه التجربة الغنية هو المبدع المسرحي الكبير محمد بلهيسي، ويصبح من حق أي واحد أن يسأل السؤال التالي: ــ ومن يكون محمد بلهيسي؟ وللإجابة عن هذا السؤال الافتراضي أقول ما يلي: هو الفارس المؤسس، والتأسيس عنده يبدأ من البسيط إلى المركب، ومن الأسفل إلى الأعلى دائما، إنه يبدأ من الحفر عميقا في الأرض ليتمدد بعد ذلك في كل الاتجاهات، ولقد اختار فعل التأسيس ليكون منهجا في الحياة وفي الإبداع، واختار أن يكون بيته المسرحي بعنوان (مسرح التأسيس) واختار أن يكون واحدا من جماعة التأسيس الاحتفالي، وأن يعيد للمسرح المغربي روحه العيدي والاحتفالي، وأن يعيد ربطه بالأرض وبالإنسان وبالإرث الثقافي وبالمناخ الحضاري العام. تلك السبعينيات من القرن الماضي كانت زمنا تأسيسيا بامتياز، زمن تأسيس السينما المغربية، وتأسيس الأغنية المغربية الغيوانية، وتأسيس التنظير الفكري، وتأسيس الرؤية الجديدة للعالم الجديد، وتأسيس حركة مسرحية مغربية جديدة حملت اسم المسرح الاحتفالي. محمد بلهيسي هو الممثل والشاعر والزجال والمربي والمخرج المجدد، وهو لا يأتي بشيء خارج ما هو موجود في الوجود، ولكنه فقط يقرأ ذلك المشترك العام قراءة خاصة، ويقارب تلك الأشياء والمعاني القديمة بوعي جديد، وهو ممثل كبير لأنه شاعر كبير، وهو شاعر صادق لأنه صاحب قلب كبير، وهو مخرج مجدد لأنه أساسا دارس وباحث، ولأنه مصور ومؤرخ، ولأنه رسام وتشكيلي أيضا، بالكلمة والعبارة أولا، وبالأجساد وبالأشياء ثانيا. هذا المبدع الفنان والإنسان، يمكن أن نختزل التعريف به في كلمة واحدة فقط، فقط هي : ــ هو فنان احتفالي وكفى (أقول هو احتفالي روحا وفكرا ووجدانا وأخلاقا، ولا أزيد) هذا ما جاء في البيان الثالث من بيانات عمان للاحتفالية المتجددة، والذي عرف (الكائن) الاحتفالي وجدانيا وفكريا وأخلاقيا، ومن بين كل التعريفات المتعددة والمتنوعة نقف على التعريف التالي فقط، ونقول ما يلي: (احتفالي، يا سادة يا كرام، معناه أن تكون مؤمنا بأن التنظير الفكري هو أساسا حالة وجودية متجددة، وذلك قبل أن يكون مكونا من مكونات هذا الجنس الأدبي ـ أو الفني ـ أو ذاك، أو أن يكون أرضية فلسفية لأية حركة فكرية أو جمالية، فمن طبيعة الكائن الاحتفالي أن ينظر دائما، وأن يخترق بنظره الأجساد والأشياء والمعاني البعيدة جدا، تماما كما تنظر جدتنا زرقاء اليمامة، وأن يتم هذا النظر بالحس والحدس معا، وأن يتحقق بالعين والعقل أيضا، وأن نحياه بالنفس والروح كذلك، وأن يكون بإمكان هذا الاحتفالي، الناظر والمنظر، أن يتصور، وأن يتخيل، وأن يحلم، وأن يرحل على متن الخيال، وأن ينشد الأجمل والأكمل دائما، وأن يبني في الذهن عوالم مثيرة ومدهشة، وذلك قبل أن يبنيها على أرض الواقع، وأن تكون له الجرأة على أن يسأل، وأن يبتكر الأسئلة، وأن يتساءل، وعلى أن يواجه كل مسألة، وجودية كانت هذه المسألة، أو كانت اجتماعية أو سياسية أو فكرية، وأن يردد دائما، سواء أمام نفسه أو أمام الناس وأن يقول: أنا أنظر، إذن فأنا لست أعمى وأنا أنظر ـ من التنظير ـ إذن فأنا لست أميا، ولست جاهلا، ولست معاديا للعقل ) هو فعلا مسرحي احتفالي، ولكن احتفاليته تظل دائما خارج التوصيف والتصنيف والتصفيف، لأنها غير متقولبة في قالب واحد جامد، وغير متخندقة في خندق حرفي أو مهني أو حزبي أو عقائدي واحد، وفي هذه الاحتفالية الحية تحضر كل المدارس والاتجاهات وكل الحساسيات الجمالية، تحضر الطبيعية والواقعية والتاريخية والأسطورية والرمزية والسوريالية والعبثية والملحمية والتأصيلية، لأنها تنتمي أساسا إلى روح الاحتفال، وهي تؤكد على أن الاحتفال هو العنوان الأصدق على إنسانية الإنسان، وعلى حيوية الحياة، وعلى مدنية المدينة، وعلى التحرر والحرية، وعلى الجمال والجمالية، وعلى كل القيم الجميلة والنبيلة المشتركة بين كل الناس في كل زمان ومكان. ويمكن أن نتعمق أكثر في تجربة هذا المسرحي الاحتفالي، وأن نمر إلى السؤال التالي: ــ ما هي خصوصيات هذه التجربة المسرحية؟ البدء من النص أولا نعرف أنه ينتمي إلى التيار التأسيسي في المسرح المغربي والعربي، ونعرف أنه لا يمكن أن نبدأ فعل التأسيس إلا من النص المؤسس، ولهذا فقد كان ضروريا أن يبدأ محمد بلهيسي تجربته الإبداعية من النص المسرحي أولا، ولقد كان هذا اقتناعا منه بأن البدء الحقيقي في الخلق تمثله الكلمة دائما، ولعل هذا هو ما يفسر تعامله مع النصوص المسرحية الكبرى، والتي تتضمن شخصيات مسرحية وازنة، وتتضمن مواقف فكرية حقيقية، وتتضمن رسائل واضحة وصريحة، وتتضمن بنية حكائية محكمة، وتتضمن شخصيات لها أسماء ووجوه، ولها نفوس وأرواح، ولها ملامح ظاهرة وأعماق خفية، وتتضمن رسائل حقيقية لمن يهمه الأمر في القراء وفي الجمهور. والنص المسرحي عنده ليس كلاما مجردا، ولكنه فعل مادي خفي، وهو صور ومشاهد مخبأة تحتاج للمخرج الساحر الذي يستطيع الكشف عنها، وهو عالم آخر يحتاج للمخرج المسافر الذي يستطيع أن يصل إليه. ولأن الاحتفالية هي التحدي والتجاوز، ولأن محمد بلهيسي قارئ نقدي وضدي، فقد واجه الكائن بالممكن، وتحدى النص المسرحي المكتوب بالنص المسرحي المشهدي، وتحدى الأطروحة النصية بالأطروحة الإخراجية، ليصل إلى تركيبة مسرحية سحرية تكون أوسع وأرحب وأغنى من النص المكتوب. ومن الممثل الحامل للنص ثانيا ولأن هذا النص أمانة، فهو يضعها بين أيدي ممثلين مسرحيين حقيقيين، يفهمون أولا معنى ما يقولون وما يفعلون، ويحترمون ـ ثانيا ـ نبل المسرح وشرفه وقدسيته، ويبدعون ـ ثالثا ـ في عالم هذا النص وليس خارجه. ولأن الحمل المسرحي الاحتفالي كبيرا جدا، سواء من خلال نصوصه الفكرية أو الإبداعية أو الأخلاقية، فقد ضروريا ألا يستهين بهذه المسؤولية الكبيرة والخطيرة، ولقد اختار عن طواعية طريقه المسرحي، ومعه اختار كل رفاق الطريق، والذين يقتسمون معه عشق الجمال والاكتمال، لقد اختار الممثلين الذين يملكون القدرة على التحمل، وعلى الصبر، وعلى الصمود، وعلى التحدي، وعلى التصدي، وعلى البلاغ المبين، وعلى أن يختاروا معه نصوصهم المسرحية، وأن يكونوا في مستوى هذا الاختيار، ولعل هذا هو ما جعل بلهيسي ـ مع صحبه ـ يشكل ظاهرة فريدة في المسرح المغربي والعربي الحديث، فتجربته المسرحية محكومة بخط سير، ومؤثثة بتجربة وجودية وإبداعية متطورة ومتجددة عبر المراحل التاريخية المختلفة. هذا الممثل المحتفل هو الذي يجعل المكتوب في الماضي حيا في الآن ـ هنا بيننا ومعنا، وهو الناطق الرسمي باسم الكاتب والمخرج وباسم كل الفاعلين المؤسسين لتلك اللحظة المسرحية الخاصة، والتي هي الاحتفال المسرحي. ونعرف أن الاحتفالية لا تؤمن بالممثل الأجير، ولا بالممثل الموظف، ولا بالممثل (المانكان) ولا بالممثل الدمية، وفي مقابل هذا، فهي لا تؤمن إلا بالممثل المحتفل والمعيد، وهذا ما جسده المبدع المسرحي الكبير محمد بلهيسي في بيته المسرحي الذي أعطاه اسم (مسرح التأسيس) ومن النص إلى الاحتفال ثالثا وتكمن خطورة هذا المسرحي المؤسس في أنه يحسن الترجمة الصادقة والأمينة، وفي أنه يحول الكلمات إلى حيوات، ويحول العبارات إلى حالات، ويحول الحروف الساكنة إلى حركات، ويحول النصوص الأدبية إلى أعياد واحتفالات، ويحول المكتوب إلى صور حافلة بالأشكال والألوان وبالأضواء. ولأنه لا معنى لأي احتفال إلا إذا كان ممتلئا، وكان متنوعا، وكان غنيا، فإن ما يميز الاحتفال المسرحي عند محمد بلهيسي هو أنه احتفال غني لحد البذخ، وأن غناه الشكلاني يعكس غناه الداخلي، وأن كل ما تراه العين، وما تسمعه الأذن، وما تدركه كل الحواس الأخرى، هو مجرد جزء بسيط مما يفيض عن الداخل من إحساس ومن حالات ومن أفكار ومن هواجس ومن خيالات خفية. هذا المسرحي لا يقدم للناس فرجة بصرية، ولا يعرض عليهم عرضا، ولكنه يقيم احتفالا شعبيا في اللحظة الحية الآن ـ هنا، والذين يحضرون هذا الاحتفال ليسوا متفرجين، ولكنهم أساسا ضيوفه، ولقد كان هذا الاحتفالي دائما كريما مع ضيوفه، وكانت موائده المسرحية متعددة ومتنوعة وغنية، فيها الفن والفكر والعلم والصناعة، وفيها النثر والشعر، وفيها الرقص والغناء، وفيها المتعة النفسية والذهنية والروحية معا، وفيها كل ( ما الا عين رأت ولا خطر على قلب بشر) هذا هو المبدع المسرحي الكبير محمد بلهيسي، الفنان الذي حافظ على روح الهواية في المسرح، والذي ظل وفيا لحقيقة هذا المسرح، والذي هو فن وفكر وعلم ومؤسسة، قبل أن يكون حرفة حرفيين أو مهنة مهنيين أو فرجة مفرجين أو متفرجين.

الدار البيضاء في 23 ــ 05 ــ 2014

د. عبد الكريم برشيد

2014-06-06 2014-06-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24