بركان من الصراع السياسي إلى الاختلاف الديمقراطي

آخر تحديث : الأحد 26 يونيو 2016 - 4:12 مساءً
عبده الفشتالي

إن المتتبع هذه الأيام للشأن المحلي لمدينة بركان، سرعان ما سَيُثِير انتباهه الصراع السياسي الحاصل بين المجلس البلدي و العمالة، لنجمع على أنه صراع سياسي بالدرجة الأولى، فهذا يدافع عن هذا لأجل مصالح، و ذاك يدفع إلى الصلح باسم الدين، و مظاهرات خرجت في هذا الوقت تطرح مشاكل الساكنة… كل هذا الزخم من الأحداث والأراء يُزكي و يكرس الطابع السياسي المحظ للصراع.فأين هي مصلحة ساكنة بركان من هذا؟

أول الملاحظات التي يمكن تسجيلها أن هذا النقاش دليل على حيوية المشهد وهذا شيء إيجابي في حد ذاته، لا يمكنه إلا أن يخدم الديمقراطية بشرط توجيه البوصلة في الاتجاه الصحيح بعدم الاقتصار على الطعن أو الدفاع عن العمالة التي لا تخظع لمنطق الإنتخابات.

الملاحظة الأهم تتعلق بالخطاب، فطابع الخطاب نظري أحيانا، وفضفاض مغالط أحيانا أخرى. فهو سياسي نظري عندما يتعلق بالنقاش، فلا يصمد حتى ينفصل عن الواقع ليبتعد عن علاج المشكل الأصلي ويجعل الصراع في حد ذاته القضية الرئيسية. فتستنزف الطاقات، ويضيع الوقت وتأجل معه مصلحة الساكنة. ومن هذا الخطاب ما هو مغالط وهو الأخطر، لأن يساهم في ” تكليخ” الشعب و مثال عنه خطاب الذين يتذبذبون بين الاستعانة بالشعب لِما تتطلبه المصلحة الإنتخابية، و بين الدفاع عن العمالة ضد المجلس المنتخب من طرف الشعب أيضا. لنسجل تراجع ديمقراطي لا يصبو في مصلحة أحد، على أن فكرة الانتخابات جاءت في الأصل لتكريس سلطة قرب محلية تستمد شرعيتها من سكان المدينة مباشرة وبجانب العمالة كلاهما في خدمة المصلحة العامة.

قد نتوقف عند هذا الخطاب النظري، الذي هو في حقيقة الأمر مَلَكَة المفكرين، قد نفهم دوافعه من خلال طبيعته التي تقبل تأويل المعنى فتجنبه الفصل وتخفي فيه التباين.

يمزج هذا الخطاب أحيانا مزجا غير سليم بخطاب ديني ، فيستصغر مشاكل الدنيا المادية التي نتفق على صغرها بالمنطق التعبدي الشعائري ، إلا أنها تبق ذات أهمية بمنطق متطلبات الحياة اليومية، خاصة في مجتمع يعرف فوارق اجتماعية كبيرة. هذا الخلط عادة ما يدفع إلى اقتراح حلول تتسم بالمثالية تبقى حبيسة الفكر ولا تقبل التطبيق أو مثلا أن يدعو للتسامح على حساب الحقيقة والتباين دون مراعاة لعواقبه، كانتهاز الانتهازيين له، طالما لم يَنْبن على أسس واضحة موضوعية مجردة من الحسابات الضيقة تمثل قاعدة للتفاهم ونقطة انطلاق جديدة تحدث قطيعة مع ما سبق وتخضع لرقابة الساكنة. إلا أن أهمية المبادئ الأخلاقية شيء بديهي، فعلى الأفعال وحدها أن تبرهن عنها عوض أن تأخذ صفة الملصق الإشهاري.

بدون أن نخوض أكثر في تحليل الخطاب، واقتصارا منا على دوره في الترويج لثقافة الدمقراطية، إننا نخلص الى أنه بطابعه النظري لا يخدمها، فهو لا يعطي معنى للعلاقة السليمة التي يجب أن تحكم مختلف الفاعلين ولا يساهم في توضيح صلاحيات وطرق اشتغال المؤسسة المنتخبة، معايير تقويم إنجازاتها، و سبل محاسبتها كي تصبح سلطة التصويت بكونها حقا و واجبا، مدركة إدراكا سليما، فيعطيها الناخب قيمتها، و تجعله في منئى عن تجار الانتخابات. باختصار كان من المفترض أن يكون كل نقاش سياسي وكل موعد انتخابي مدرسة لتلقين السلوك الديمقراطي.

إن تبسيط الخطاب و جعله خطابا تقنيا يقتصر فقط على برامج تحمل مشاريع تنموية و حلول للمشاكل، برامج مصاغة بناء على معطيات واقعية تأخذ بعين الاعتبار قابلية الإنجاز والإكراهات المالية مع الخوض بشفافية علنية في إمكانيات التمويل، وحده قادر على خلق ركيزة تعاقد بين الناخب و المرشح، فيكون قياس الفارق بين المنجز و غير المنجز المولد الأول للاختلاف الديمقراطي والدافع إلى الاختيار أثاء الموعد الانتخابي.

2016-06-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24