الحشيش.. وباء حقيقي أصاب المغرب

آخر تحديث : الخميس 14 أغسطس 2014 - 11:31 صباحًا

من متجر لبيع آلات الخياطة القديمة في سوق باب مراكش في الدار البيضاء تحرج كتل ثقيلة من الدخان التي تزكم الأنوف برائحتها القوية.

في داخل المتجر ثلاثة شبان ذبلت عيونهم وهو يتناوبون على تدخين سيجارة محشوة بالحشيش. الشبان الثلاثة يفعلون ذلك من دون اكتراث بالمارة أو بالنظرات التي تتجه صوب المتجر بين الفينة والأخرى، وهم محظوظون إلى حد ما لأنه نادرا ما يدخل المتجر زبون يسأل عن ثمن إصلاح آلة خياطة أو رغبته في بيع أو شراء واحدة، وربما يلعب دخان الماريوانا المقزز دوره في طرد الزبائن من المتجر.

مشهد معتاد ما يفعله الشبان الثلاثة يقوم به عشرات الآلاف من المغاربة الذين أدمنوا تدخين الماريوانا وأصبحوا يشكلون عبئا حقيقيا على الصحة النفسية والمعنوية للمجتمع المغربي، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتفاع كبير في نسبة مدخني الماريجوانا، إضافة إلى آلاف آخرين من مدمني الأصناف القوية من المخدرات مثل الكوكايين أو إبر الحقن.

وأصبح من المعتاد مشاهدة الكثير من المراهقين والشباب، وفي أحيان أخرى بالغين وهم يلفون لفافات الماريوانا في الأزقة والأحياء الشعبية بمختلف المدن المغربية، بل وحتى القرى النائية، حيث لم يعد المغرب مجرد منتج ومصدر للحشيش، بل صار يتصدر أيضا لائحة أعداد المدمنين الذين يتزايدون يوما بعد يوم.

حتى المدارس

وصار من المثير للخوف أن إدمان المخدرات بات ينتشر في المدارس المغربية، ونسبة كبيرة من المدمنين في سن المراهقة، ليس بين الذكور فقط، بل توجد نسبة مهمة من المدمنات وهن في سن الزهور.

وكانت المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، أعلنت أرقاما لأول مرة بيّن خلالها ارتفاع نسبة إدمان المخدرات في البلاد. وأشارت دراسة أعدتها المندوبية، وهي مؤسسة رسمية، أن المراهقين والشباب ين 14 و 25 سنة يستهلكون أكثر من 13 في المائة من ميزانيتهم الخاصة من أجل اقتناء واستهلاك المخدرات.

كما أشارت دراسة أنجزها مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية أن أزيد من 10 في المائة من تلاميذ المدارس سبق أن دخنوا الماريجوانا. وأشار المركز إلى مدينة مراكش كنموذج يرتفع فيها الاستهلاك حيث توجد نسبة مهمة أيضا من التلميذات سبق لهن على الأقل أن جربن تدخين الماريوانا. الفضول..

ثم الإدمان ويرتفع تدخين المخدرات بين التلاميذ والمراهقين في المدن السياحية التي عادة ما يتم فيها ترويج المخدرات بشكل كبير من أجل تلبية طلب السياح. وتعتبر مدينة مراكش المدينة الأولى سياحيا في المغرب.

وأشارت الدراسة إلى أن أغلب الذين اعترفوا بتناول المخدرات للمرة الأولى في حياتهم فعلوا ذلك من أجل إشباع رغبة الفضول لديهم، خصوصا بعد أن سمعوا عن تأثيرها من مدمنين آخرين أو من الأكبر سنا، لكن عددا كبيرا من “حالات الفضول” تتحول إلى “حالات إدمان” بعد سن الثامنة عشرة حسب الدراسة.

كتامة والنواحي

وترتفع نسبة الإدمان بشكل اكبر في مدن قريبة من حقول المخدرات في شمال المغرب. وتعرف مدينة طنجة، وهي المدينة المصنفة كونها “كارتيل عالمي للمخدرات” حسب المرصد الدولي لتجارة المخدرات، نسبة عالية من الإدمان نظرا لقربها من مناطق زراعة الحشيش، ولكونها أيضا معبرا رئيسيا للحشيش الموجه نحو أوروبا، إضافة إلى تركز العشرات أو المئات من الشبكات المحلية والدولية المختصة في زراعة وترويج المخدرات.

كما ترتفع نسبة الإدمان بشكل أكبر في معاقل زراعة الحشيش مثل كتامة وضواحي مدينة شفشاون وجهات واسعة من منطقة الريف التي أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على مردودية هذه الزراعة المحرمة دوليا.

ثم الكوكايين

ومن الغريب أن إدمان الحشيش صار ينظر إليه في المغرب اليوم على أنه أحد أخف أنواع الإدمان بعد أن ارتفع استهلاك المخدرات القوية بين عدد كبير من الشباب والبالغين، ومن بينها مخدر الكوكايين الذي صار بدوره يربح كل يوم زبائن جدد، خصوصا وأنه دخل مجال المقايضة بين شبكات ترويج المخدرات حيث غالبا ما تعمد الشبكات الآتية من بلدان أمريكا اللاتينية بمقايضته بالحشيش المغربي عوض المال، وهكذا يتم تسويقه في المغرب بالتقسيط من أجل جني أرباح أكثر. لكن الحشيش يكون في أغلب الأحوال مدخلا نحو السقوط في براثن المخدرات القوية.

أرقام صادمة

يقول المرصد الدولي لتجارة المخدرات إن المغرب صار يحتل المرتبة الأولى عالميا في إنتاج القنب الهندي، وهو بذلك يحتل المرتبة الأولى عالميا أيضا في ما يخص صادرات هذه “البضاعة” نحو أوروبا على الخصوص. أما فيما يخص المحجوزات فإنه يحتل المرتبة الثالثة عالميا.

وحسب آخر إحصائية لندوة دولية عقدت في المغرب السنة الماضية برعاية شبه رسمية من الحكومة المغربية، فإن المساحة المزروعة بالمخدرات في المغرب ازدادت بأكثر من الضعف. وبينما كانت تشكل في أواسط التسعينات من القرن الماضي 70 ألف هكتار في شمال المغرب، فإن المساحة اليوم تكاد تقارب المائة ألف هكتار. وكانت الحكومة المغربية اعترفت رسميا سنة 1992 بوجود خمسين ألف هكتار مزروعة بالحشيش في المغرب، وأن نسبة معينة من هذا الإنتاج يتم استهلاكها في الأسواق المحلية، مما رفع درجة الإدمان بشكل كبير.

وتقول إحصائيات إسبانية إن المغرب يصدر نحو إسبانيا فقط ثلاثة آلاف طن من الحشيش سنويا مما يدر أرباحا تزيد عن عشرة ملايير دولار.

2014-08-14 2014-08-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عبد الحفيظ الأحمادي