الأفعى والعصا في الفكر الإنساني

آخر تحديث : الأحد 17 أغسطس 2014 - 11:54 صباحًا

ترتبط العصا في ذاكرتنا بالضرب، لأنها من أكثر الكلمات التي تستعملها الأسرة والسلطة للتهديد، كما ارتبطت الأفعى بالسم والقتل، ولكن في الحضارات الإنسانية والأديان ارتبطت بالكثير الأمور البعيدة عن المفاهيم المترسخة في ذاكرتنا، فالعصا بشكلها العمودي تعتبر رمزا للتوازن بين الروح والجسد، والكثير من الأشخاص كانوا يحملون العصا رغم أنها لا تساعدهم على المشي، كالمهاتما غاندي والكثير من الزعماء الأفارقة الذين يعتبرونها رمزا للحكمة، كما يحملها الخطباء في صلاة الجمعة، والباباوات، أما الحية فقد ارتبطت بالكثير من الأساطير والرموز، ولا تخل أية حضارة في العام من إضفاء دلالات أخرى للحية، ومن أكثر الرموز تعقيدا، فهي رمز للقتل والشفاء، وعند معتنقي الأديان السماوية رمزا للهبوط إلى العالم السفلي، وارتبطت بقصة آدم وحواء، ولازالت صفة الحية والأفعى مرتبطة بالمرأة وظلت ملازمة لها، حيث تنعت دائما بهذا الحيوان من طرف الرجل والمرأة أيضا إذا صدر منها ما لا يعجب الطرف الآخر، وأطلق عليها العرب اسم الأسود كما أطلقوه على القلم، لان بينهما الكثير من أوجه التشابه فهما يلتويان، وينفثان (السم والحبر)، وقد تقتل الكتابة بجرة قلم، وتبعث الحياة أيضا كالسم تماما الذي يقتل أو يستعمل كترياق لأغراض طبية واقتران الحية بالعصا يحيلنا إلى قصة الخلق أي آدم وحواء والكثير من الرسوم تنقل لنا حية ملتوية على شجرة ورأسها إلى أعلى وذيلها إلى أسفل هذا الالتواء في شكل حلزوني يجعله أكثر ارتباطا بالمقدس حيث استعمل هذا الشكل في الكثير من الحضارات والديانات، ومنها الديانة الإسلامية ويمكن أن نلاحظ هذا الشكل في جامع سمراء ومئذنة جامع ابن طولون في القاهرة، وكذلك في الكثير من الزخارف النباتية، للدلالة على علاقة الأرض بالسماء.

كما نجد هذا الاقتران في كل الأديان السماوية من خلال عصا موسى التي (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى *قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) [طه: 17-21].

وفي التوراة ورد في الإصحاح السابع من سفر الخروج : فقال الرب لموسى: اُنظر، أنا جعلتك إلهاً لفرعون وهرون أخوك يكون نبيك. أنت تتكلم بكل ما آمرك وهرون يكلم فرعون ليطلق بني إسرائيل من أرضه. فإذا كلمكما قائلاً هاتيا عجيبة، تقول لهرون خذ عصاك واطرحها أمام فرعون فتصير ثعباناً. فدخل موسى وهرون إلى فرعون وفعلاً هكذا كما أمر الرب. طرح هرون عصاه فصارت ثعباناً. فدعا فرعون أيضاً الحكماء والسحرة ففعل عرّافو مصر بسحرهم كذلك، طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين ولكن عصا هرون ابتلعت عصيهم. ومع ذلك فقد اشتد قلب فرعون ولم يسمح بإطلاق بني إسرائيل ( 1-13).

وفي الميثولوجيا الإغريقية نجد أيضا أن العصا ارتبطت بالحية كما نشاهد في التمثال الذي يمثل اكسليبيوس الذي كان مختصا في التطبيب، وأصبح هذا الرمز للتطبيب في كل أنحاء العالم ونجده في الصيدليات مع بعض الفرق فجل الدول تتخذ رمز اكسلبيوس الذي فيه عصا وحية واحدة بينما في أمريكا نجد رمز عصا هرمس المشكل من عصا وحيتين وجانحين / نسبة إلى العصا التي كان يحملها هرمس رسول آلهة الإغريق.

وفي الحضارة الهندية التي ارتبطت كثيرا بالحية نجد أيضا ارتباط العصا بالأفعى خاصة عند “فيشنو” إله كل الأزمنة والجوهر الذي يحل في كل الكائنات، حيث يوضع جسده إما واقفا أو متمددا على حية ويمسك بإحدى أيديه الأربعة عصا.

كذا اقترنت العصا بالأفعى في الأديان السماوية غير السماوية وكذلك في الميثولوجيا الإغريقية دون اتفاق، ولم تتخلص من هذا الاقتران حتى الحضارة المعاصرة، فلا يمكن للإنسان أن يجد حيا أو شارعا في العالم دون أن يرى هذا الرمز فوق كل الصيدليات، ويبقى علامة تشع بأنوارها الخضراء ليلا.

2014-08-17 2014-08-17
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد سعود