من أين لك هذا يحل مشكلة الدعم!

آخر تحديث : الأحد 19 يونيو 2016 - 2:07 مساءً
وائل النجمي

علينا أن نعترفَ بأن الدعمَ يستهلكُ جانبا كبيرا من الميزانيةِ العامةِ للدولةِ، ونعترف بأن هذه الميزانيةَ لا تتحملُ مثيلاتها دولا كثيرة، وأن التوجهَ العالمي للدولِ هو رفعُ يدها من الدعم – مع رقابةٍ مدروسةٍ للسوقِ، وعلينا الاعترافُ بأنه سيأتي اليومُ الذي لن تستطيعَ الدولة ُأن توفِ فيه بمتطلباتِ الدعمِ، وعلينا أن نعترف بأن المنظومةَ بحاجةٍ للتعديل وبحاجةٍ للتغيير.

لكن علينا أن نعترفَ أيضا بأن الدعمَ بالنسبةِ لغالبيةِ الشعبِ المصري هو النواةُ التي تسندُ الزيرَ، وأن الكلامَ السابقَ على المستوى النظري صحيحٌ تماما، لكنه على المستوى العملي فاشلٌ تماما، فسواء كانت الأسرةُ من معدومي أو محدودي أو متوسطي الدخلِ، لا يمكن لها أن تعيشَ بدونِ الدعمِ، بل حتى في الصورِ الشاذةِ التي اتخذها الدعمُ من سوقٍ سوداءٍ، صارت هناك بعضُ الفئاتِ من البسطاءِ تمثلُ لهم هذه الانتهاكاتُ غيرُ القانونيةِ مصدرَ دخلهم، فتلك الفئةُ التي عملت مؤخرا في مجالاتِ بيعِ الطاقةِ كالصبيةِ الذين يبيعون البنزينَ والانابيبَ حتى صاحبَ عربةِ الكشري البسيطةِ وعربةَ الفولِ والكبدةِ، لا يمكنه الاستمرارَ في أكلِ عيشهِ بدونِ تلكَ المنتجاتِ المدعمةِ التي يشتريها من السوقِ السوداءِ، ورغم عدمِ قانونيةِ هذا الوضعِ إلا أنها الحقيقةُ التي يجبُ أن ننظرَ لها، وعلينا أن نفرقَ بين الحيتانِ الكبيرةِ التي تعملُ لصالحها تلك الفئاتِ البسيطةَ، وبعدَ وضعِ كل هذه الاعتباراتِ موضعَ التفكرِ والتدبرِ يمكننا أن نتحدثَ عن كيفيةٍ معقولةٍ لترشيدِ الدعمِ.

عن نفسي لديَّا طريقةٌ سلسةُ ومريحةُ وسريعةُ وغيرُ مكلفةٍ تضمنُ للدولةِ ترشيدُ ما ينفقُ على الدعمِ، بل ربما وفرتْ عليها ميزانيةَ الدعمِ لعامين قادمين، هذه الطريقةُ بمنتهى البساطةِ هي تطبيقُ قانونُ: من أين لك هذا؟ على تلك الفئاتِ المتعاملةِ مع منظومةِ الدعم. فقط راجعوا الذمةَ الماليةَ لعشرِ سنواتٍ مضت لمختلفِ القطاعاتِ المنوطُ بها تقديمُ الدعمِ للمواطنين، بدءا من صارفي هذه المنتجاتِ والمتاجرين فيها نهايةً بالمراقبين عليها، من تجدوا أن ميزانيته تفوقُ مكتسباته ودخله، صادروا هذه الممتلكات ووجهوها لصالحِ الدعمِ، ومن يثبت أن ذمته الماليةِ متناسبةُ مع مرتبه ومكاسبه القانونية، صعدوه للمناصبَ العليا وللإشرافِ على المنظومةِ، وفيما اعتقد فإن ما سيتم مصادرته من أموال ربما يكفي الدولةَ للإنفاقِ على الدعمِ لعامين أو ثلاثة قادمين، فضلا عن أننا لن نحتاجَ لكل هذه الأموال لأن نصفَ ما يخرجُ من موازنة الدولةِ للدعمِ لو ذهبَ حقيقةً للمواطنِ لعاشَ الشعبُ المصريُ في أحسنِ عيشةً، لو أن الدقيقَ الذي في المخابزِ المدعمة يخبزُ جميعهُ لفاضَ الخبزُ وزادَ، ولو أن التلاعبَ بحصصِ البوتاجازِ وحصصَ البنزينِ والسولارِ انتهَ، لتوفرت الكهرباءِ، الأمرُ بسيطً جدا يا سادة: من أين لك هذا لكل من اشترى سيارة فارهةً وبنى عمارةً وشاليها وفلةً واصبحت لديه تجارةٌ وأرصدةٌ في البنكِ لم تكن موجودة ٌ قبلَ أن يعملَ  في هذا القطاعَ، ولمن يعيشَ في مستوى لا يتناسبُ مع دخلِ رواتبِ الحكومةِ أو مكسبِ مخبزٍ مدعمٍ أو مستودعٍ مدعمٍ، وأظنُ أننا نملك الكوادرَ البشريةَ التي يمكنها اجراءُ مثل هذا التدقيقِ المالي بدقةٍ وبشفافيةٍ. فهل يصعب تطبيق القانون؟ أو بالأحرى: ما الذي يحولُ دون تطبيق هذا القانون؟

2016-06-19
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24