أهمية التنوع الثقافي في مواجهة الانغلاق والتشدد

آخر تحديث : السبت 19 أبريل 2014 - 6:47 مساءً

بالرغم من عملية الاجتثاث الكبيرة والتشويه المريع الذي تعرّض له جسد الأمة جغرافياً وسياسياً واقتصاديا.. وحيث أفلح الاستعمار في تمزيق عالمنا الإسلامي تمزيقاً لم يسمع بمثله.. فبعد إن كانت امتنا أمة واحدة ودولة واحدة وشعب واحد.. تم تقسيمها إلى أكثر من خمسين دولة صغيرة متناحرة متضادة تقطعها وتقسّمها الحواجز والحدود.. وإنه رغم ما يظهر من قتامة التمزيق وفعاليته في الإجهاز على الوحدة الإسلامية وعلى مشروع إحيائها واستعادتها, فإن خطره وضرره ربما لا يصل إلى نفس مستوى الضرر الذي أحدثه ابتلاء الأمة بآفتي الجمود والتطرف.. لأن هذا اللون المدمر الفتاك أمتد إلى تمزيق الروح وقصف الفكر وتغيير الوجدان وتشويه معالمه, وهذا لا شك هو الأعظم أثرا والأقوى خطراً من أي تمزيق آخر أجمل خصائص تيار الجمود والتطرف وملامحه في نقاط مبيناً خطورة هذه الظواهر التي أفقدت أصحابها نور البصيرة ونعمة التفكر والتقدير السليم لأولويات الإسلام ومنها : الركود الفكري وتعطيل العقل مما أوقعهم في مهاوي التخبط والتقليد الأعمى لسيَر الماضين وطرق تفكيرهم وأساليبهم. غير أن ذهنية الجمود والتعصب والتطرف خرجت من كل استفادة منكفئة على ذاتها منعزلة عن العالم الخارجي وغير قادرة على قراءته لضيق النظر, فهم لا يرون عالم الآخرين وأفكارهم ويرفضون الاعتراف بحقهم في الحوار.. وإنه بجمودهم ونظرتهم هذه حمّلوا الإسلام ما ليس فيه, وشوهوا صورته وزيفوا حقيقته وذلك بسبب قلة الفهم والعلم والإخلاص فيهم, وإن من أبرز مظاهرهم: عدم الإقرار بمبدأ التعدد والتنوع في الرأي إضافة إلى انغلاق الفرد وجموده على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الأمة وقضاياها.. الميل إلى التشديد والتضييق والتزمت مع الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة وسرعة الغضب مع التحرك كدعاة بخلاف الهدي الإلهي﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾النمل125 يُعد مفهوم التطرف من المفاهيم التي يصعب تحديدها أو إطلاق تعميمات بشأنها، نظراً إلى ما يُشير إليه المعنى اللغوي للتطرف من تجاوز لحد الاعتدال. وحد الاعتدال نسبي، يختلف من مجتمع إلى آخر وفقاً لنسق القيم السائد في كل مجتمع. فما يعتبره مجتمع من المجتمعات سلوكاً متطرفاً من الممكن أن يكون مألوفاً في مجتمع آخر، فالاعتدال والتطرف مرهونان بالمتغيرات البيئية والحضارية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع. وقد حاولت العديد من التوجهات النظرية معالجة وتفسير الاتجاهات المتطرفة وتحديد أبعادها ومسبباتها وخصائصها لدى الشباب. هذه التوجهات النظرية المتعددة لم تكن متضاربة في تحليلها، ولكن يرجع هذا التعدد والتنوع إلى تباين وجهات النظر في معالجة الجوانب المختلفة لتلك الاتجاهات في علاقتها بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع. كذلك يرجع هذا التنوع في المنطلقات النظرية التي تعالج تلك الاتجاهات المتطرفة في ما يتعلق بأوضاع الشباب واتجاهاتهم وقيمهم السلوكية وحركاتهم السياسية إلى نماذج الامتثال والمسايرة والرفض والمغايرة مع النسق القيمي السائد في المجتمع. إن الشخصية المتطرفة ما هي إلا إفراز طبيعي للتناقضات الاجتماعية والسياسية للمجتمع، تظهر في أشكال وصور مختلفة، منها انتهاك القواعد التي أرساها المجتمع كقيم اجتماعية تميزه، وإظهار العداء المقصود تجاه ما اعتمده المجتمع لنفسه وأفراده من أيديولوجيات وعادات وتقاليد، ويتجسد هذا الرفض المقصود والعداء السافر في أعمال التخريب، والخروج عن المشاركة الاجتماعية، والابتعاد عن الجماعة ومخالفتها، بصورة فردية أو جماعية أو تنظيمات متطرفة. يعتمد التطرف اتجاهاً عقلياً وحالة نفسية تُسمى بالتعصب Prejudice للجماعة التي ينتمي إليها، والتعصب حالة من الكراهية تستند إلى حكم عام يتسم بالجمود وعدم المرونة، وأنه قد يكون على مستوى الإحساس، وقد يُعبر صاحبه عنه. وقد يوجه إلى جماعة بكمالها أو إلى عضو فرد يمثل هذه الجماعة. ويُلاحظ أن الأكثر ميلاً إلى اعتماد النظرة التعصبية هم المتطرفون. وفي حالة غياب الحوار واللغة المشتركة، يكون الدفاع المتشدد عن المبادئ التي يؤمن بها الفرد المتعصب. إن التعصب هو انحراف عن معيار العقلانية لعدد من المعايير السلوكية المثالية، يكون على شكل حكم متعجل، ورفض تعديل مسبق أو تعميم مفرط، أو التفكير في إطار القوالب النمطية، ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة، ورفض السماح أو الاهتمام بالفروق الفردية. وبالتالي فالمتطرف المشحون بصبغة تعصبية وغالباً ما ينعزل عن الفكر السائد، خاصة في الحالات التي يمثل فيها الأقلية عن الأغلبية. وقد يصل التطرف إلى نهاية مقياس الاعتدال، إما بسبب شطط في الأفكار أو السلوك، أو بسبب أساليب قمعية يقوم بها النظام مع معتنقي هذا الفكر. ويتحول المتطرف من فكر أو سلوك مظهري إلى عمل سياسي. هنا يلجأ المتطرف إلى استخدام العنف في تحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفرد أو جماعته الدينية أو السياسية أو الفئوية. وعندما تستطيع الجماعة المتطرفة أن تحقق بعض الانتصارات، أو تملك وسائل العنف والقوة، قد تلجأ ـ سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي أو الدولي ـ إلى استخدام الإرهاب الفكري أو النفسي أو المادي ضد كل من يقف عقبة أمام تحقيق أهدافها.

2014-04-20 2014-04-19
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عادل عامر