من اللغة عبرالقناة المفاهيمية إلى إنتاج الفكر

آخر تحديث : الأربعاء 30 أبريل 2014 - 12:04 صباحًا

ترتبط اللغة ارتباطا جليا بالهوية والفكر، فهي إشارات صوتية تحوي معاني ومسميات الأشياء وفق منظومة تنسجم والبيئة، فالعلامات والرموز الدلالية التي تدخل في تركيبها تجعلها تعمل في إطار عام يشكل النواة الأولى للتأسيس لفكر، مما يضفي عليها طابع البنيوية والوظيفية: أي بنية اللغة ووظيفتها . فمن اللغة نحو قناة الضبط المفاهيمي، إلى خلق فكر منسجم مع البيئة والهوية، واختلال منظومة اللغة يعني بالضرورة خلل مرفقي في البيئة، لذا نجد أن ارتباط اللغة بدلالة الأشياء و مسمياتها يجعلها تعبيرا ذهنيا يتم ترجمته إلى كلمات متناسقة المعنى و منسجمة تخضع لرقابة الواقع كما أنها أداة لإنتـاج الأفكار والتعبير عنها وإيصالها.

إن النظـام اللغوي الذي فرضه التداول و الاصطلاح وفق قواعد وضوابط منظمة، يجعله مرتبطا بالإدراك الحسي الذي يوصل الكائن البشري إلى تبني توجها يميزه عن باقي الكائنات، لكن الإطار الفكري لا يخرج عن سياقه العام بسبب هيمنة المرجعيات الاجتماعية و الثقافية والبيئية . لعل الألفاظ اللسانية التي تولدها مخارج الأصوات، تعكس المستوى اللغوي، كما تظهر الاختلاف الفكري، انطلاقا من التنوع الناتج عن اختلاف التكوين والبيئة، الشيء الذي يجعل من اللغة أداة للتعبير والتواصل، إذ أنها تعبير واضح عن مسميات الأشياء و مدلولاتها كما هي انعكاس جلي للمستوى الفكري للأفراد، فالنطق يجعل اللغة محصورة في المجال الصوتي، أما الإشارات و العلامات و الرموز فإنها تبقى بعيدة كل البعد عن النطاق التركيبي الأكاديمي للغة .

لا شك أن العلامات والرموز تشكل منظومة منطبقة مع معاني الأشياء و مسمياتها، وهو ما يمكن نعته بالمجال الرمزي، الذي يختلف كثيرا عن المنطوق، بل هو رهين أشكال التعبير المختلفة، فقد لا يتعامل الكائن الإنساني مع الموجودات كما هي، بقدر ما يتعامل بمعية نظام لغوي له قواعده التي تأسس عليها، وهي التي تجعل الأمور في نطاقها التلقائي تعكس انسجاما نسبيا بين الشيء ومعناه .

يعد النظام اللغوي الكفيل بترتيب العلاقات و تصنيف المسميات، حتى يتمكن من التحكم في مكونات العالم الخارجي من خلال العلاقة بين الدال و المدلول، فيفرض نسقا لا يمكن تجاوزه أو تبديله، لأن القواعد والأنماط اللغوية لا سلطة لأحد عليها مادام الفكر مرهون باللغة، واللغة ليست سوى أداة للربط بين المفاهيم والأفكار، و من تمة فلا يمكن القول أننا نتعامل مع الواقع كما وجد، بل كما يدركه الفكر، فتعبر عنه اللغة، فلا وجود للفكر إلا من خلال اللغة كأداة تترجمه، و لا وجود للغة إن كانت مجرد كلمات بدون معنى، والانسجام و التداخل التركيبي بينهما هو الذي يجعلهما في علاقة تأثير و تأثر، ومن تمة علاقة بناء .

  لقد بات من الضروري إيلاء اللغة الأهمية التي تستحق، فهي الألية الفريدة  لخلق فكر الإنتاج، المعبر عن المواقف بدقة، والمسؤول عن السلوكات، في إطار إنتاج القيم التي انعدمت، كنتيجة حتمية لاختلال الشق المفاهيمي، وتردي الجانب التربوي، كسبب مباشر لفقدان الهوية .    

2014-04-30
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

زياني