فن الرسم والاضطرابات الدينية

آخر تحديث : الجمعة 16 يناير 2015 - 4:45 مساءً

كانت بداية القرن الوحد العشرين موضوعا لنشوب الكثير من الاضطرابات في العالم الاسلامي بسبب نشر رسوم كاريكاتورية للرسول ( ص ) ، وكان آخرها ما يعرف بمجزة شارلي ايبدو التي نشرت سلسلة من الرسوم المسيئة للنبي محمد (ص) ..ولازالت تداعياتها إلى حد الآن الى ثلاثة فرق ، ؟

لم يكن المسيحيون أول من رسم الرسول(ص) كما يعتقد الكثيرون ، بل ظهرت رسومات مجسدة كثيرة يرسم فيها المسلمون الرسول )ص( ، وظهرت لأول مرة في كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين بمدينة تبريز ، كما ظهر في الكثير المنمنمات التي كانت تزين ” معراج نامه ” اي كتاب المعراج ، الذي ينتمي الى مدرسة هرات الافغانية ، هذه المدرسة التي أنجبت أحد أبرز فناني الشرق في العصر الوسيط وهوكمال الدين بهزاد ،الذي أنشأ مدرسة فنية قائمة الذات في فن المنمنمات وكان لها تأثير على معاصريه ولاحقيه من الرسامين ، اشتهر برسوماته التي زينت ديوان الشاعر الفارسي فردوسي “الشاهنامه ” أي” كتاب الملك” بالعربية ، كما زينت رسوماته ديوان ” بوستان ” أي الحديقة لسعدي الشيرازي ، وتأثيرات كمال الدين بهزاد واضحة على من رسم المنمنمات في ” معراج نامه ” الذي وردت فيه الكثير من الرسوم التي يظهر فيها الرسول ” ص” ومن أشهر هذه المنمنمات ، وأشهر منمنمة فيه هي التي يركب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم البراق .

ولم يسجل العالم أحداثا تذكر حول هذه الرسوم أو رسوما أخرى إلا سنة 1996 حين نشرت مجلة “فيشار ميمانسا ” الهندية لوحة للفنان الهندي الشهير (مقبول فداء حسين )، تحت عنوان ” مقبول فداء حسين :فنان آم جزار ؟ ” رغم أن اللوحة التي تبدو فيها امرأة عارية على شكل خريطة الهند بعنوان “آلهة الهند” رسمها سنة 1970 لم تثر أية ضجة في ذلك الوقت ، إلا أن قراءة اللوحة من طرف المجلة بشكل مختلف ونشرها سنة 1996 أدى إلى ظهور اضطرابات في الهند سقط خلالها الاف الضحايا وأحرقت الكثير من المنزل والمحلات التجارية والمساجد والمعابد ، وخرجت الامور عن السيطرة واضطرت الشرطة الى إطلاق النار لإيقاف حمام الدم . وتعرض الفنان ” مقبول فداء حسين الى تهديدات إرهابية ومتابعات قضائية من طرف متطرفين هندوس لرسم اللوحة من طرف فنان مسلم ، واعتبروا أن هذه اللوحة إهانة لآلهتهم ، مما دفع بالفنان الهندي ” مقبول فداء حسين ” الى التوجه نحو الامارات العربية المتحدة سنة 2006 إلى أن توفي فيها سنة 2011 ، بعد مسار حافل من الإنجازات الفنية الخالدة ويكفي أنه حل ضيف شرف على بينالي ساووباولو بالبرازيل مع الفنان بابلو بيكاسو سنة 1971. ويعتبر مرجعا للثراء والمباهاة في الأسر الثرية وكبريات الشركات في الهند .

ومع الألفية الثالثة تفشت ظهرت الرسوم الكاريكاتورية التي كانت تنهج منهج الإساءة القصدية للرسول “ص” ففي سنة 2005 قامت جريدة يولاندس بوستن Jyllands-Posten الدانماركية بنشر 12 كاريكاتورا للرسول “ص” وبعد ذلك تم نقل هذه الرسوم الى منابر اعلامية اخرى منها كالصحيفة النرويجة “ماغازينت ” مما أدى إلى وقوع اضطرابات كثيرة في العالم الاسلامي وتم احراق سفارتي كل من الدنمارك والنرويج بدمشق 2006 وكان الكاتب الدنماركي كاره بلوتكن Kare Bluitgen الذي كتب سيرة للأطفال عن محمد “ص” يرغب في تزيين كتابه برسوم داعمة للمحتوى ، ولكن لم يتجرأ أي رسام أن يلبي رغبة كاري بلوتكن .

وتطورت الأمور كثيرا بعد ظهور هذه الرسومات إلى أن وصلت الى قضية ما يعرف بشارلي أيبدو حيث كان الرسام “كابو “يدافع عن توجهاته مع إدارة الجريدة إلى أن حدثت المجزرة ، وأصبحت حديث القاصي والداني . كما حدث انقسام في الرأي العام العالمي .

الفريق الاول يدين الهجوم المسلح ويدعو الى حرية التعبير ، والفريق الثاني يؤيد الهجوم ويرى أن هذا جزاء من سولت له نفسه الاساءة للرسول ص ، وفريق ثالث يدين القتل ولكن في نفس الوقت يدعو الى تجنب الاساءة للشعوب ومعتقداتها ، وأن حرية التعبير لا يجب ان تكون سببا في نشر الحقد والكراهية .فمعاداة السامية مثلا هي حرية رأي ولكن لما ذا يعاقب عليها القانون الغربي .

ولم يكن هؤلاء الفنانون الغربيون محل انتقادات بل كان ايضا لبعض الفنانين المغاربة نصيب من هذا الانتقاد ، ونذكر منهم المهدي جورج الذي تعرض للتهديد قبل أن يحاول عرض عمله في مراكش ، كما أن نفس الشيء ينطبق على الفنان منير الفاطمي الذي وظف الضوء أو النور في الخط العربي ، وكانت تجربته في مدينة تولوز الفرنسية محط انتقادات كبيرة إلى درجة انه الغى عرضه ، لأن تسليط الضوء عبر 13 عمود إنارة من جسر (بوان نوف) في مدينة تولوز على الشارع لنصوص من القران والحديث النبوي الشريف يعني المرور فوقها وتدنيسها من طرف المارة ، وإن كان الفنان منير الفاطمي يمرر خطابه بعيدا عن تلك التأويلات التي تقف عند حدود النصوص. وبغض النظر عن هذا العرض إلا أن تجربة الفنان منير الفاطمي تبقى جديرة بالاهتمام لأنها عودة إلى تقييم المنظور الجمالي والتخلص من عقدة قدسية الخط العربي وخلق نوع من الحوار والمثاقفة مع الغرب . فالوسائط الجديدة التي يوظفها الفنان منير الفاطمي وطرق العرض المتنوعة لا يمكن تبخيسها ، بل هي أعمال قدمت رؤى جديدة وهدم للأساليب القديمة من أجل البناء . فالخط العربي لم يبق حبيس الجبس والخشب والزوايا بل هو كائن يتحرك ويسير عبر حوامل جديدة ، والبعد الواح أصبح بأبعاده الثلاثية في حوامل وتنصيبات جديدة . كما أن النور الذي نعتقد أننا نطأه هو نور مسلط علينا وليس تحتنا .فما نسير عليه هو ظلنا .

وبين التعمد والقصدية في الإساءة كما رأينا عند شارلي ابدو ويولاندس بوستن ، والاشتغال لغرض فني محض كما نجد عند مقبول فداء حسين ومنير الفاطمي ، تطرح أسئلة عديدة حول حرية الفن ، ول الاستفزاز لغرض الاستفزاز يعتبر فنا ، أم أن الاستفزاز الذي يولد الكثير من الأسئلة والطاقة الإيجابية هو الفن ، علما أن كلاهما لم يخلوا من توليد اضطرابات كثيرة .

2015-01-16 2015-01-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

محمد سعود