أنا .. لست شارلي

آخر تحديث : الأحد 26 يونيو 2016 - 4:28 مساءً
عبد الرازق أحمد الشاعر

لأن شارل ديجول لم يعد حيا، بإمكان الفرنسيين هدم جمهوريتهم الخامسة وإلقاء دستور الحريات في نهر السين والتبول من فوق برج إيفل على صدر ماريان الممتلئ. الجمهورية تسقط في فرنسا كما سقط ديجول، وكذلك الحريات والطواقي الفريجية، والوعي، والمنطق. ترى، هل كان الخديوي إسماعيل محقا حين رفض هدية بارتولدي؟ أتراه رفضها لأننا لا نستحق الحرية، أم لأن فرنسا لا تستطيع أن تهبها لشعب .. أي شعب وإن كان يتحدث الفرنسية بذات الطلاقة؟ أسئلة تتساقط كحب الرمان تحت أقدام تاريخ عاجز عن الاستيعاب، وأمم تستطيع أن تنسى العيش والحرية والكرامة حتى في باريس.

حين مات ديجول، وقررت “هاري كيري” أن تسخر من رفاته، كان على “الخرساء البذيئة” أن تغلق صفحاتها، وأن تتوقف عن النشر إلى أجل غير مسمى، وكان على فرانسوا كافانا أن يراوغ ليبقى سافلا كما أراد. وهكذا، تحولت “هاري كيري” إلى “شارل إيبدو” بأمر الرقيب الفرنسي الذي لم تمنعه دساتيره الليبرالية من مصادرة البذاءات الفجة التي كانت الجريدة تمارسها على صدر صفحاتها كل أسبوع. لكن إيبدو التي نقلت الخبر البذيئ من غلافها الجذاب إلى طيات ثيابها الداخلية استطاعت فرض بذاءاتها على مجتمع لم يعد يميز كثيرا بين الليبرالية المستبدة، والحرية العابثة.
وفي عام 2007، تجاوز فيليب فال رئيس تحرير شارل إيبدو كافة المحاذير والأعراف الفرنسية حين مرر كاريكاتيرا يصور نبي الرحمة وهو يحمل قنبلة في عمامته. وبعد محاكمة هزيلة، قضت محكمة باريس بإطلاق سراح الكاريكاتير بعد أن تبين “حسن نية” ناشره، لأنه لم يعن ببذاءاته إلا “الإرهابيين من المسلمين”.
وحين امتلأ صدر الصفحة الأولى ببذاءة كبيرة “محمد محاط بالمتشددين” فوق كاريكاتير ساخر يصور مبعوث الرجمة باكيا يقول “صعب أن يحبك الحمقى،” استطاع فال أن يوزع أكثر من ثلاثمئة ألف نسخة من جريدته المسفة. ويومها مرت الكلمات بردا وسلاما على أعين الرقيب. وحين أدان جاك شيراك (الرئيس الفرنسي آنئذ) صفاقة الكاريكاتير، لم يوقف النشر. صحيح أنه اعتبر “كل ما يؤذي المرء في معتقداته، لا سيما الدينية” خطا أحمر، إلا أنه اضطر لإغماض عينيه تحت إلحاح ساركوزي وهولاند اللذين دافعا عن سفاهة فال بدعوى الليبرالية والدفاع عن حقوق النشر. ومرة أخرى، خرج فال من بوابة الاتهام الكبيرة نافشا صوفه.
وعام 2011، احترق مقر الجريدة وسطا الهاكرز على موقعها حين سخرت من الشريعة الإسلامية بإطلاق اسم “الشريعة إيبدو” على عددها الأسبوعي، ورسم كاريكاتير مسيء للرسول الكريم وفوقه عبارة تقول “مئة جلدة إن لم تمت من الضحك.” كان ذلك على إثر فوز الحزب الإسلامي في تونس بالانتخابات التشريعية، وتجدد المطالبة بتطبيق الشريعة في ليبيا. وفي ذلك العدد، تجاوز الكتاب حدود السخرية، فانهالوا بأسنة يملؤها التعصب المقيت يهاجمون الإسلام وأهله، ويسخرون من الحدود والتشريعات الإسلامية. يومها أدان محمد موسوعي رئيس المجلس الإسلامي الفرنسي التوجهات العنصرية لجريدة شارل إيبدو، واستنكر في ذات الوقت الاعتداء على مقر الجريدة باعتباره عملا لا يجيزه الإسلام الحنيف.
وفي سبتمبر عام 2012، استغل محررو الجريدة سلسلة تفجيرات استهدفت السفارات الأمريكية في الشرق الأوسط بعد عرض فيلم “براءة المسلمين” المسيء، فقامت برسم كاريكاتير يصور النبي عاريا، وبدلا من إيقاف الجريدة أو منع نشر الصور المسيئة، قررت الحكومة الفرنسية زيادة قوات الأمن حول سفاراتها وقنصلياتها ومراكزها الثقافية في أنحاء العالم الإسلامي. كما قامت قوات الشغب الفرنسية بحماية مقر الجريدة ضد أي اعتداء.
2016-06-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

الحدث 24